
الورد على رؤوس الرجال.. حين يزهر التراث في عسير وجازان
بدرية بنت محمد بن عبدالله الناعبي
ناشطة اجتماعية
في كل مرة يظهر فيها “ترند” الورد للرجال، تتجدد موجة من الجدل، وكأن المشهد وليد اللحظة، بينما الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. ففي جنوب المملكة العربية السعودية، وتحديدًا في منطقتي عسير وجازان، لا يُعد الورد زينة طارئة، بل هو امتداد حيّ لإرث ثقافي ضارب في الجذور.
يرتدي رجال الجنوب ما يُعرف بـ “العصابة” أو “طوق الورد”، وهي أكاليل طبيعية تُصنع من الرياحين والزهور العطرية، وتوضع على الرأس في المناسبات الاجتماعية والأعراس. هذه الممارسة ليست مجرد مظهر جمالي، بل تعبير عن علاقة الإنسان ببيئته، حيث تعكس ألوان الورد وروائحه تنوع الطبيعة الجبلية وثراءها.
وعلى عكس ما يُتداول في بعض النقاشات الحديثة، فإن استخدام الورد والعطر لم يكن يومًا حكرًا على النساء. فقد عُرف التطيب عند الرجال عبر العصور، وارتبط بالذوق والنظافة والهيبة. وفي السياق المحلي، أصبح طوق الورد رمزًا للهوية الجنوبية، يحمل في تفاصيله معاني الفخر والانتماء.
المفارقة أن ما يُنظر إليه اليوم كـ “ظاهرة جديدة”، هو في حقيقته تقليد متوارث حافظ عليه أبناء المنطقة جيلاً بعد جيل. بل إن هذا التراث بات يُستثمر اليوم كعنصر جذب سياحي وثقافي، يعكس صورة المملكة بتنوعها وثراء موروثها.
إن قراءة التراث بمعايير معاصرة دون فهم سياقه قد تقود إلى أحكام سطحية. فبين جبال عسير وسهول جازان، يزهر الورد على رؤوس الرجال، لا كزينة عابرة، بل كهوية متجذرة، تحكي قصة مجتمع يرى في الجمال جزءًا من أصالته، لا خروجًا عنها.








