المشهد الاقتصادي في سلطنة عُمان
الدكتور محمد السيد يوسف لاشين
أستاذ علم النقد الاجتماعي والتفكير الناقد
في زمنٍ تتسارع فيه الخطى، وتضطرب فيه خرائط العالم الاقتصادية كما تضطرب رمال الصحراء حين تهبّ عليها رياح الفجر، تبدو سلطنة عُمان وكأنها تشقّ طريقها الخاص، طريقًا لا يعلو فيه الضجيج، بل يعلو فيه العمل الهادئ، والعمل وحده هو الذي يترك أثره على المدى الطويل.
فالعُمانيون، بطبعهم الذي ورثوه من البحر حين يهدأ، ومن الجبل حين يشتد، لا يرفعون الصوت بقدر ما يرفعون البناء. ولهذا لم يكن غريبًا أن تقفز السلطنة 19 مركزًا في مؤشر الحرية الاقتصادية لعام 2026، لتستقر في المرتبة 39 عالميًا، وكأنها تقول للعالم: إن الإصلاح الحقيقي لا يحتاج إلى صخب، بل إلى رؤية تتقدم الزمن، وإدارة تعرف أين تضع قدمها قبل أن تخطو.
وليس الاقتصاد الرقمي ببعيد عن هذا المشهد؛ فقد بلغ حجمه 7.8 مليار دولار، رقمٌ لا يُقرأ بوصفه قيمة مالية فحسب، بل بوصفه إعلانًا عن انتقال السلطنة من اقتصاد يعتمد على الجغرافيا إلى اقتصاد يصنع جغرافيته الخاصة. وما بين الرقم والواقع، تمتد خطة خمسية تستهدف 300 ألف وظيفة، وكأن الدولة تعيد رسم علاقة المواطن بسوق العمل، لا بوصفه باحثًا عن فرصة، بل بوصفه صانعًا لها.
أما العقار، ذلك المرآة التي تعكس نبض المدن، فقد شهد ارتفاعًا بنسبة 27.1% ليصل إلى 613.3 مليون دولار في شهر واحد. وهذه الأرقام ليست مجرد معاملات بيع وشراء، بل هي شهادة على ثقة تتنامى، وعلى مدينةٍ تتسع، وعلى مستقبلٍ يفتح أبوابه لمن يطرقها.
وفي قلب هذا الحراك، يبرز مشروع سياحي بقيمة 390 مليون دولار، مشروع لا يضيف فندقًا جديدًا فحسب، بل يضيف معنى جديدًا للسياحة العُمانية: سياحة لا تكتفي بجمال الطبيعة، بل تصنع تجربة تُحكى وتُروى.
ولأن البنية التحتية هي لغة الدول حين تخاطب المستثمرين، فقد خصصت السلطنة 3 مليارات دولار لتوسعة الطرق، وكأنها تقول: إن الطريق إلى المستقبل يبدأ من الطريق ذاته.
ولم يكن غريبًا بعد ذلك أن ترتفع الاستثمارات الأجنبية بنسبة 23.3% لتبلغ 21.27 مليار ريال عُماني، فالمستثمر لا يذهب إلى المكان الذي يلمع، بل إلى المكان الذي يطمئن. والسلطنة اليوم تقدّم الطمأنينة بوصفها قيمة اقتصادية قبل أن تكون قيمة اجتماعية.
لكن الحدث الأعمق، والأكثر دلالة، هو توقيع عُمان على إنشاء أول ممر للهيدروجين السائل إلى أوروبا. هنا لا نتحدث عن مشروع، بل عن انتقالٍ حضاري من اقتصاد النفط إلى اقتصاد المستقبل. فالهيدروجين ليس مجرد طاقة، بل هو لغة جديدة للعالم، ومن يتقن اللغة الجديدة يضمن مكانه في الغد.
ولم يكن هذا كله ليحدث لولا تحسن التصنيف الائتماني للسلطنة إلى درجة الاستثمار BBB-، وهو أشبه بختمٍ دولي يقول: إن هذه الدولة تعرف كيف تدير مالها، وكيف تحمي استقرارها، وكيف توازن بين الطموح والواقعية.
إن المتأمل في المشهد الاقتصادي العُماني اليوم يدرك أن السلطنة لا تركض خلف الأرقام، بل تجعل الأرقام تركض خلفها. وأنها لا ترفع الشعارات، بل ترفع مستوى الأداء. وأنها لا تتحدث عن المستقبل، بل تبنيه لبنة لبنة، كما يبني البحّار سفينته: بصبر، وبصمت، وبثقة لا تهتز.
ولعل أجمل ما في التجربة العُمانية أنها لا تدّعي الكمال، لكنها تدّعي شيئًا أهم: الإرادة. والإرادة حين تتجذر في دولة، تصبح الأرقام مجرد نتائج، ويصبح المستقبل مجرد محطة على طريق أطول.









