بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

مطرح.. حين تُصافح الأمواج ذاكرة التاريخ

بقلم: د. محمد السيد يوسف لاشين

 

 

بين زرقة البحر التي لا تخون، وشموخ الجبال التي تحرس الذاكرة، تقف “مطرح” كقصيدة كونية كُتبت بمداد من لؤلؤ وعرق الكادحين. ليست مطرح مجرد ولاية جغرافية في قلب مسقط، بل هي “حالة شعورية” تتلبس الزائر منذ اللحظة الأولى التي يستنشق فيها عبق بخورها الممتزج بملوحة بحر العرب. وعندما ترى سوق مطرح فانت تشاهد بعينيك فلسفة التعايش في ممر ضيق

حين تدلف إلى “سوق الظلام”، لا تجد نفسك أمام مجرد دكاكين متراصة، بل أنت في حضرة “متحف إنساني” حي. هنا، في هذه الممرات الضيقة، تتجلى فلسفة القناعة العمانية الأصيلة؛ حيث يتبادل التاجر والزائر تحايا الود قبل البيع والشراء. إن سقف السوق الخشبي لا يحجب الشمس فحسب، بل يحرس حكايات التجار التي توارثوها جيلاً بعد جيل. إن الانبهار بـ “سحر الجديد” في المراكز التجارية الحديثة يتلاشى هنا، حيث ينتصر “العتيق” بوقاره، وتثبت الفضة العمانية أن بريق الأصالة لا ينطفئ مهما تعاقبت العصور.

تتميز بيئة مطرح بتلك الحدة الجميلة حدة عناق الجبل والبحر، جبال صلدة تحتضن الميناء في مشهد يعكس هيبة المكان. هذا التباين التضاريس ليس مجرد مشهد سياحي، بل هو صياغة للشخصية العمانية التي جمعت بين صلابة الجبل ولين البحر. إن المشي على “الكورنيش” وقت الغروب، حيث تتراقص السفن الشراعية التقليدية بجانب السفن العملاقة، يرسخ فكرة توازن الأضداد التي طالما نادينا بها في كتاباتنا؛ كيف يمكن للمعاصرة أن تمسك بيد الأصالة دون أن تمحو ملامحها.

إن زيارة مطرح ليست نزهة، بل هي رحلة في “أدب المكان”. فمطرح مرآة الذات العمانية بحق هنا تقرأ التاريخ في وجوه الصيادين، وتسمع صدى الحضارة في طرقات النحاسين. إنها دعوة للتأمل في كيف استطاعت هذه الولاية أن تحافظ على “كاريزما” خاصة وسط ضجيج الحداثة، لتظل مطرح هي المبتدأ والخبر في كتاب العشق العماني.

إن مطرح تخبرنا بصمتها البليغ: أن الأمم التي لا تحرس أسواقها القديمة، قد تفقد بوصلة مستقبلها. فطوبى لمن قرأ مطرح بقلبه قبل عينيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى