
إلى صُنّاع المحتوى وكل من يسعى للشهرة: لا تعبثوا مع كبار السن !!
الكاتب أ. عصام بن محمود الرئيسي
مدرب بروتوكول ومراسم – مؤلف أعمال متخصصة في المراسم والتشريفات
في كل مجتمع، يُقاس رقيّه بمدى احترامه لكبار السن، فحين يتحوّل الأب أو الأم أو أي فرد كبير السن في الأسرة إلى أداة للسخرية، وتُستغل عفويتهم وضعفهم الطبيعي تحت عدسة الكاميرا، يصبح السؤال أخلاقيًا قبل أن يكون ترفيهيًا: أي متعة زائفة هذا الذي يُبنى على خوف إنسان وكرامته؟
إن ما يُقدَّم اليوم على أنه “محتوى” قد يخفي في جوهره انتهاكًا صامتًا لحقّ الاحترام الذي يستحقه من أفنوا أعمارهم في العطاء وتربية الأجيال.
إن احترام كبار السن ليس مجرّد سلوك مهذّب، بل قيمة إنسانية عميقة، وحجر أساس في تماسك المجتمع. حين نُسيء لكبير، فإننا لا نؤذيه وحده، بل نخسر جزءًا من إنسانيتنا، ونُضعف منظومة القيم التي تحفظ التوازن بين الأجيال. الأسوأ من ذلك أننا نعلّم أبناءنا، دون أن نشعر، أن السخرية مقَبولة لهذه الشخوص الغالية في قلوبنا، وأن قلة الذوق يمكن أن تُسوَّق على أنها “مزحة”.
في الآونة الأخيرة، ومع تصاعد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، ظهر نوع من المحتوى يُقلق الضمير قبل الذوق: مقالب تُنفّذ بكبار السن، أحيانًا بآبائهم أو حتى بأمهاتهم أو بأفراد من عائلاتهم، بحجة الترفيه أو زيادة المتابعين. يُتفاجَأ الكبير، يُخاف، يُربَك أو يُحرَج، بينما تُرفع الكاميرا ويُنتظر التسلية والتفاعل.
الأخطر من ذلك أن هذا النوع من المحتوى يستغل عفوية كبار السن وضعفهم الطبيعي في هذا العمر، وطريقتهم الصادقة في الحديث والتفاعل، فيُحوَّل صدقهم وبساطتهم إلى مادة للسخرية والانتشار. هنا لا يعود الأمر مزاحًا، بل تعدّيًا صريحًا على كرامة إنسان أفنى عمره في العطاء.
في المقابل، لا يعي من يقوم بالتصوير حجم ما يفعله بأبيه أو أمه، ولا يدرك النتائج النفسية والاجتماعية المترتبة على عرضهما بهذا الأسلوب المهين أمام الناس. فثمن الضحكة العابرة قد يكون جرحًا عميقًا في كرامة والدٍ أو والدة، لا يُشفى بسهولة.
من المؤلم أن يُستغل ضعف الكِبر، وبطء ردّ الفعل، أو طيبة القلب، ليصبح مادة للانتشار. فالكبير لا يملك دائمًا القدرة على الاعتراض أو الرفض، وقد يصمت بدافع الحب أو الخجل أو الخوف من كسر خاطر من أمامه. لكن هذا الصمت لا يعني الرضا، ولا يبرّر الفعل.
إن من يبرّر هذا النوع من المحتوى بحجّة “زيادة المتابعين لمحتواه” ينسى حقيقة بسيطة: الاستعراض الذي يُبنى على إهانة الآخرين ليس فرحًا، بل قسوة مغطّاة بالتصفيق. ومن يضحك اليوم على ارتباك كبير، قد يقف غدًا في المكان ذاته، منتظرًا احترامًا لم يزرعه.
كبار السن لا يحتاجون شفقة، ولا خطابات منمّقة، ولا دموعًا أمام الكاميرات. هم يحتاجون تعاملًا هادئًا، وكلمات محسوبة، واحترامًا صادقًا يحفظ لهم مكانتهم. يحتاجون أن نشعرهم بالأمان لا بالخوف، وبالقيمة لا بالاستغلال.
وفي الختام، إلى صُنّاع المحتوى وكل من يسعى للشهرة: لا تجعلوا كرامة كبار السن ثمنًا لمشاهدات عابرة. فالمحتوى الحقيقي هو ما يرفع الإنسان لا ما يكسره، وما يبقى أثره قيمة لا ندمًا. لا تعبثوا مع كبار السن… لأنكم حين تفعلون، لا تعبثون بأعمارهم، بل بقيمكم أنتم.
وعلى الخير نلتقي وبكم وبالوفاء نرتقي..










