وهم الميديا وضرورة اليقظة (عندما تُطفئ الشاشةُ نورَ البصيرة)
الدكتور محمد السيد يوسف لاشين
أستاذ علم النقد الاجتماعي والتفكير الناقد
في زمنٍ تتدافع فيه الصور كما تتدافع الأمواج على صخور الشاطئ، وتتناسل فيه الأخبار بسرعة الضوء، أصبح الإنسان مهددًا بأن يفقد قدرته على التمييز بين الحقيقة والسراب. لم تعد الميديا مجرد نافذة نطلّ منها على العالم، بل تحوّلت إلى مرآة مشروخة تعكس لنا ما تريد، وتخفي ما تشاء، وتعيد تشكيل وعينا وفق إيقاعها الخاص. وهنا تكمن الخطورة: أن نُسلّم عقولنا طواعيةً لآلةٍ لا تعرف الرحمة، وأن نركض خلف كل ما يُنشر دون أن نتوقف لحظة لنسأل: من قال؟ ولماذا قال؟ وما الذي يُراد لنا أن نراه أو نصدّقه؟.
إنّ أخطر ما في الميديا اليوم ليس زيفها فحسب، بل قدرتها على إقناعنا بأن الزيف حقيقة. صورةٌ مُعدّلة قد تهدم سمعة إنسان، ومقطعٌ مُقتطع قد يشعل فتنة، وخبرٌ بلا مصدر قد يغيّر اتجاهات الرأي العام. نحن نعيش في عصر «التهافت»، حيث يلهث الكثيرون خلف كل ما يلمع، غير مدركين أن اللمعان قد يكون طلاءً رخيصًا يخفي صدأً عميقًا.
تخيّل قارئًا يفتح هاتفه صباحًا، فتنهال عليه العناوين الصاخبة كطلقاتٍ متتابعة: «كارثة»، «فضيحة»، «انهيار»، «انتصار ساحق». كلماتٌ تُصاغ بعناية لتستفزّ مشاعره قبل أن تُخاطب عقله. ثم تأتي الصور: وجوهٌ غاضبة، مشاهد درامية، لقطات مُنتقاة بعناية لتوجيه انطباع محدد. وبين هذا وذاك، يضيع صوت الحقيقة، ويغيب السؤال الأهم: ماذا وراء هذه الصورة؟ وما الذي لم يُعرض علينا؟
إنّ الوعي ليس ترفًا، بل ضرورة وجودية. أن تكون واعيًا يعني أن تمتلك القدرة على الوقوف خطوةً خارج المشهد، أن تنظر إلى ما وراء الكاميرا، أن تشكّ، أن تسأل، أن ترفض أن تكون مجرد متلقٍ سلبي. الوعي هو أن تدرك أن الميديا ليست محايدة، وأن وراء كل محتوى نوايا، ووراء كل صورة زاوية تصوير، ووراء كل خبر محررٌ اختار كلمات دون أخرى.
ولعلّ أخطر ما نواجهه اليوم هو «التطبيع مع الزيف». حين نعتاد على الأخبار المفبركة، وعلى الصور المعدّلة، وعلى القصص التي تُصنع في غرف التحرير كما تُصنع المشاهد السينمائية، نصبح أكثر قابلية للتصديق، وأكثر استعدادًا للانخداع. وهنا يفقد الإنسان حصانته، ويصبح فريسة سهلة لكل من يريد أن يوجّه وعيه أو يسرق رأيه.
لكنّ الأمل لا يزال قائمًا. فكما أن الميديا قادرة على التضليل، فهي أيضًا قادرة على التنوير. الفرق يكمن في المتلقي: في قدرته على الفرز، على التحقق، على استخدام عقله قبل قلبه. نحن بحاجة إلى ثقافة التريّث ، إلى أن نتعلم كيف نقرأ ما بين السطور، وكيف نرى ما وراء الصورة، وكيف نُعيد للعقل مكانته في زمنٍ يحاول فيه الضجيج أن يبتلع كل شيء.
إنّ العالم لن يتوقف عن بثّ الصور، ولن تكفّ الميديا عن صناعة العناوين الجاذبة، لكننا نستطيع أن نختار كيف نتفاعل معها. نستطيع أن نكون متفرجين سلبيين، أو أن نكون قرّاءً يقظين، قادرين على حماية وعيهم من التلاعب. فالحقيقة لا تُمنح جاهزة، بل تُنتزع بالبحث والتفكير والتمحيص.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يجب أن نحمله معنا دائمًا: هل نرى العالم كما هو، أم كما تُريد الميديا أن نراه؟ والإجابة ليست في الشاشة، بل في وعينا نحن.








