بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

رؤية شخصية في ذاكرة المكان (10).. (حارة الرمل.. حين تتحول الأمطار إلى اختبار للبيوت والقلوب)

الكاتب أ. عصام بن محمود الرئيسي
مؤلف أعمال متخصصة في المراسم والسلوك الراقي

 

في حارة الرمل، لم تكن الأمطار مجرد ظاهرة طبيعية عابرة، بل كانت فصلًا كاملًا من الحكايات التي تتكرر كلما انهمرت بغزارة، حاملةً معها مزيجًا من القلق والتكاتف، والخوف والدفء الإنساني. كانت هذه الحارة تقع على سفح الجبل، في موقع يجعلها عرضة لانحدار المياه بقوة عند هطول الأمطار الغزيرة، فكانت الأزقة الضيقة تتحول إلى مجارٍ متدفقة، وتجري السيول بين البيوت كما لو أنها تبحث عن طريقها الخاص دون استئذان.

حين تبدأ السماء بالانهمار، تتغير ملامح المكان سريعًا. تتصاعد أصوات المطر على الأسطح، وتعلو معها دقات القلوب، خاصة لدى سكان المنازل الطينية التي لا تقوى كثيرًا على مقاومة المياه الغزيرة. فهذه البيوت، رغم بساطتها وجمالها التراثي، تبقى هشّة أمام قوة الطبيعة، إذ تتشبع جدرانها بالماء، وقد تتصدع أو تنهار أجزاء منها إذا طال هطول المطر واشتد.

في تلك اللحظات، يجد كثير من السكان أنفسهم أمام قرار صعب: البقاء والمخاطرة، أم الرحيل المؤقت حفاظًا على الأرواح والممتلكات. فيختار البعض مغادرة منازلهم، يحملون معهم ما استطاعوا من أشياء ثمينة وضرورية، تاركين خلفهم ذكريات وجدرانًا شهدت تفاصيل حياتهم اليومية. يتجهون إلى أماكن أكثر أمانًا، ربما إلى بيوت أقارب أو معارف، أو إلى بيوت لهم في الضواحي المجاورة مناطق أقل عرضة لتدفق المياه.

وعلى الجانب الآخر من هذه الصورة القاسية، تتجلى واحدة من أجمل صور الإنسانية والتكافل الاجتماعي. ففي حارة الرمل، لا يواجه الناس المحنة فرادى، بل تتوحد القلوب قبل الأيدي. تفتح البيوت الأكثر صمودًا أبوابها على مصراعيها لاستقبال الجيران، دون تردد أو حساب. يصبح البيت الواحد مأوى لعدة أسر، يتقاسمون المساحة والطعام والقلق، ولكنهم أيضًا يتقاسمون الطمأنينة.

مشهد استقبال الجار لجاره في مثل هذه الظروف لا يُنسى. كلمات الترحيب الصادقة، والأيدي الممتدة بالعون، والحرص على راحة الآخرين، كلها تعكس عمق الروابط التي تجمع سكان الحارة. لا يشعر الجار بأنه ضيف ثقيل، بل فرد من العائلة، له ما لهم وعليه ما عليهم. الأطفال يلعبون معًا رغم الظروف، والنساء يتعاونّ في إعداد الطعام، والرجال يتابعون الأوضاع في الخارج، يحاولون المساعدة حيثما أمكن.

من بين سكان الحارة، كانت الأمهات يشكلن خط الدفاع الأول ضد مفاجآت الطبيعة. تروي إحداهن كيف أن مجرد رؤية السحب الداكنة تتجمع من جهة شمال الحارة كانت كإشارة تحذير، يعرفون من خلالها أن السماء على وشك أن تمطر. بناءً على هذه المؤشرات، يبدأن فورًا بنقل الأغراض الثمينة والضرورية إلى أماكن آمنة وبعيدة عن متوقع مسار المياه، ويحرصن على إعداد العشاء إذا كان المطر متوقعًا في المساء، حتى لا تتعطل حياة الأسرة اليومية بسبب الأمطار الغزيرة. هذه الخبرة المتراكمة عبر السنوات تمنح الحارة إحساسًا بالأمان، على الرغم من قسوة الطبيعة، وتبرز الدور الحاسم للأمهات في حماية العائلة وتنسيق جهود الجيران قبل وصول أول قطرة مطر. ولا تقتصر هذه المعاناة على حارة الرمل وحدها، بل تمتد إلى العديد من الحارات الطينية في مختلف المناطق.

فالمنازل المبنية من الطين، رغم انسجامها مع البيئة وارتباطها بالتراث، تتأثر بشكل كبير بالأمطار الغزيرة. فالماء عدو صامت لهذه المباني، يتسلل إلى جدرانها ببطء، حتى يضعف تماسكها ويهدد استقرارها. ومع تكرار مواسم الأمطار، تتزايد الحاجة إلى صيانة هذه البيوت أو استبدالها بمواد أكثر مقاومة، دون التفريط في هويتها المعمارية.

كما أن البنية التحتية في هذه الحارات غالبًا ما تكون محدودة، فلا توجد قنوات تصريف كافية لمياه الأمطار، مما يزيد من تفاقم المشكلة. تتحول الطرق إلى برك طينية، ويصعب التنقل، وتتعطل الحياة اليومية. ومع ذلك، يظل السكان متشبثين بأماكنهم، لأن هذه الحارات ليست مجرد مساكن، بل هي ذاكرة جماعية، وجزء من الهوية والانتماء.

أما نحن الأطفال، فكانت الأمطار مصدر فرح ودهشة لا يوصفان. كنا ننتظر قدوم السحب الداكنة بفارغ الصبر، وعندما تبدأ الشعاب في الانحدار من رؤوس الجبال، نجري نحن وراءها في الأزقة الضيقة، نلعب ونركض في مياهها العابرة لسُكك الحارة. كانت الأرض الرملية تتشبع بالمطر، فنستغل هذه الرطوبة في تشكيل مجسمات صغيرة، نبتكر بها عوالمنا المصغرة من ذلك الطين الرطب. كل قطرة مطر كانت بالنسبة لنا مغامرة جديدة، تجمع بين اللعب والاستكشاف، وتترك في نفوسنا ذكرى دافئة عن الحرية والبهجة في قلب الطبيعة الصاخبة.

إن حكاية حارة الرمل مع الأمطار هي قصة تحدٍ وصمود، لكنها أيضًا قصة إنسانية عميقة، تُظهر كيف يمكن للمحن أن تكشف أجمل ما في البشر. ففي كل مرة تهطل فيها الأمطار بغزارة، لا تختبر فقط قوة البيوت، بل تختبر قوة العلاقات بين الناس. وفي كل مرة، يثبت سكان الحارة أن التكاتف هو السد الحقيقي في وجه الشدائد.

وهكذا، تبقى حارة الرمل مثالًا حيًا على أن البساطة لا تعني الضعف، وأن المجتمعات الصغيرة قادرة على خلق منجزاتها الخاصة، حتى في أصعب الظروف. فبين جدران الطين، تنبض قلوب من ذهب، تعرف كيف تحتمي ببعضها البعض عندما تعجز الجدران عن الصمود.
وعلى الخير نلتقي وبالوفاء نرتقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى