ثقافة وأدب

حكاية شعر “المُقُودْ” وذاكرة الحقول الزراعية في ظفار

أصـــداء /العُمانية

بين هدوء الأمكنة وثراء الذاكرة، جلس الكاتب والباحث حامد بن جمعان باوزير وهو يتأمل البعيد، كمن يستدعي ما تبقى من زمن لم يعد حاضرًا إلا في القصائد وذكريات الحقول، ويقول: إنّ الموروث الشفهي في ظفار لم يكن يومًا مجرد كلمات تُقال، بل حياة كاملة، وشعر المقود، وهو فن شعري غنائي يؤديه الرجال أثناء سقي المزارع يمثل أحد أكثر أشكال التعبير صدقًا عن تلك الحياة؛ لأنه يرتبط بالأرض والعمل والانتظار.

ويقول باوزير: إنّ المأثور الشعري الغنائي الزراعي يعرف في ظفار بـ “غناء المقود”، ويمثل جانبًا اجتماعيًّا مهمًا في حياة الناس قديمًا، لافتًا إلى أنّ الزراعة كانت عالمًا بحد ذاتها، استطاع الناس من خلالها أنّ يُقيموا روابط اجتماعية وألفة وتكاتفًا فيما بينهم، وشعر “المُقُودْ” وثق هذه الحياة في هذه القصائد في زمن كان الوضع فيه أصعب مما يتصور.

ويتابع باوزير تعريفه لمعنى مصطلح “المُقُودْ” الزراعي في ظفار، بأنّه المكان الذي تسير فيه الدابة أثناء رفع الماء من البئر، ويعني اصطلاحًا في اللغة العربية كل ما تُقاد به الدابة من لجام أو حبل وخلافه.

وأشار إلى أنّ قصائده تغنى أثناء ري المزروعات وفي موسم الحصاد، وهذا الفن الشعبي القديم مثله مثل الفنون الأخرى، له ألحان معروفة آنذاك ومواويل يعرفها أهل الزراعة، وشعر المقود يتغنى به المزارعون لبث الحماس والقوة في نفوسهم، وذلك حتى لا يشعر الواحد منهم بالملل أثناء بذل المجهود والعمل الشاق في الزراعة، وهذه الأشعار لها قافية واحدة ووزن، وأحيانًا يتغير حرف القافية مع التزام الشاعر بوزن القصيدة، وهي أشعار لها شطر واحد وليس لها عجز.

وبيّن أنّ الشاعر قبل أن يبدأ في الغناء لا بد أن تدور عجلات “السناوة”، إذ يأمر الدابة بالتحرك في “المُقُودْ” لشد حبال “الغرب”، وتدور معها عجلات السناوة فتصدر صريرًا رخيمًا يطرب “الساني” وهو الرجل الذي يقوم على السقاية، والسناوة هي سقاية الزرع عن طريق دلو من جلد الماعز أو الوعل، والذي يعرف “بالغرب” يربط بحبال على عجلة السقاية تصنع من أشجار العقر، وكانت تجلب من جبال ظفار وتثبت على عدة السقاية وتسمى “الشروعة” وهي مصنوعة من حطب وسيقان من جذوع أشجار النارجيل وتربط بالحبال.

ويستعيد باوزير مشاهد السقاية، قائلًا مع هذا الصوت الصادر من المُقُودْ، تثير الهواجس عند الساقي، وتحرك فيه مشاعر الغناء والطرب، حينها يصدح بموال طويل قبل أن يشرع بالغناء، حتى أنّ الدابة التي تشاركه عناء وتعب السناوة تطرب لمواله وتنسجم معه وتتناغم حركتها المتثاقلة مع صوته.

ويؤكد أنّ قصائد المُقُودْ تحدثت عن حقبة مضت وتراث واسع من مواسم الزراعة والحصاد في ظفار، إذ ترك شعراؤه الكثير من القصائد والأبيات في مدح المزارعين، والغزل والهجاء والرثاء والحكمة والوعظ، وكل ما يدور في حياة الشاعر من أحداث، لافتًا إلى أنّ غناء شعر المُقُودْ يتطلب حنجرة وصوتًا قويًّا لأداء هذه المواويل الجميلة.

ووضح أنّ أشعار المقود تضمنت أسماء كثيرة من الشخصيات الظفارية الذين عملوا في الزراعة، والذين كان لهم كثير من الشهرة والصيت في هذا المجال، كما أنّ أشعار المقود سردت العديد من الأحداث التي جرت آنذاك وأسماء المزارعين، وتعد مرجعًا لكثير من الأحداث في ظفار خلال الفترة القديمة، وذلك عندما كانت الزراعة المهنة السائدة إلى جانب مهنة الصيد والرعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى