تحقيقات وتقارير وحواراتتقرير

أوزبكستان – الأردن: لا تعتمد المنافسة السياحية الحديثة على التراث فحسب بل على كيفية عرضه وإدارته

أصـــداء/ الأوزبكية

في ظل تزايد عدم الاستقرار الجيوسياسي العالمي، والنزاعات الإقليمية، والغموض الاقتصادي، ترسم بعض الدول مسارها التنموي من خلال رؤية استراتيجية واضحة والاعتماد على الإمكانات المحلية. وقد نجحت الأردن، التي لا تُعدّ غنية بالموارد الطبيعية كالنفط والغاز، كإحدى هذه الدول، في تحويل السياحة إلى ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني.

في الرابع من فبراير، استقبل الرئيس شوكت ميرزيوييف وفداً برئاسة رئيس مجلس الشيوخ في المملكة الأردنية الهاشمية، فيصل عاكف مسقال الفيوز، وكانت القضايا التي نوقشت، ولا سيما التعاون في مجال السياحة، ذات أهمية كبيرة في العلاقات بين البلدين.

تجدر الإشارة إلى أن الأردن أثبت أن السياحة يمكن أن تصبح ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني حتى في ظل الظروف الجيوسياسية الصعبة. وتُعد تجربته دليلاً جاهزاً للصبر الاستراتيجي والتنويع وتحويل التراث إلى ازدهار.

تحدثت ألينا ساليخوفا، المحاضرة الأولى في قسم الاقتصاد والإدارة بجامعة طشقند الحكومية للدراسات الشرقية،  إلى مراسل وكالة أنباء أوزكا حول التعاون الاقتصادي وتنويع العروض السياحية والمشاريع الواعدة المستقبلية.

“في وقتٍ تعج فيه الساحة العالمية بالصراعات، تقدم الأردن مثالاً رائعاً على الاستقرار والتنمية الاستراتيجية. فالدولة التي لا تملك موارد نفطية تعتمد على عاصمتها الرئيسية – تاريخها العريق الذي يمتد لألف عام، وطبيعتها الفريدة، وثقافة الضيافة”، هذا ما قالته أ. ساليخوفا.

إن الزيادة الكبيرة في أعداد السياح الوافدين وارتفاع إيرادات القطاع السياحي في الأشهر الأولى من عام 2025 ليسا من قبيل الصدفة، بل هما ثمرة سياسة مُطبقة باستمرار منذ عقود. وقد شكّل اعتبار السياحة أولوية وطنية منذ سبعينيات القرن الماضي أساساً متيناً لما تحقق اليوم من إنجازات.

إن إدراج مدينة البتراء في قائمة اليونسكو، وتنشيط الحياة الثقافية، وتطوير شركة طيران وطنية، والاستثمار في البنية التحتية – كل هذا يساهم في تحويل التاريخ إلى “مورد اقتصادي حي”.

لا يقتصر مفهوم السياحة على المعالم الأثرية فحسب، بل يتعداه إلى نهج شامل. فالأردن اليوم ليس مشهوراً ببترا فحسب، بل أيضاً بمنتجعات البحر الميت، والغوص في البحر الأحمر، والسياحة العلاجية، والسياحة الدينية، والسياحة البيئية. ويسهم هذا التنوع في تعزيز دور الأردن في السياسة الخارجية. وتكتسب تجربة الأردن أهمية بالغة لأوزبكستان، التي شهدت إصلاحات واسعة وفتحت أبوابها على السوق العالمية.

باعتبار أوزبكستان دولةً ذات تراث ثقافي عريق كسمرقند وبخارى وخيوة، يمكن الارتقاء بقطاع السياحة إلى مستوى جديد من خلال تنويعه. فدمج السياحة الجبلية، والجولات السياحية المتذوقة للطعام، وسياحة الحج، والخدمات الطبية، يخلق فرصًا هائلة. ولا شك أن أوزبكستان غنية بتراثها التاريخي. إلا أن المنافسة في قطاع السياحة الحديث لا تعتمد فقط على التراث، بل أيضًا على كيفية عرضه وإدارته.

نجحت الأردن في إنشاء مركز إقليمي قائم على مطار عمّان الحديث. وقد أصبحت الرحلات الجوية المباشرة وبرامج الطيران العارض وسلسلة الخدمات اللوجستية عوامل حاسمة في زيادة تدفق السياح. أما بالنسبة لأوزبكستان، فإن إطلاق رحلات عمّان-طشقند-سمرقند مع الخطوط الملكية الأردنية وتطوير برامج الطيران العارض المشتركة سيساهم في تقريب السوقين. ويُعدّ نموذج منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة مناسبًا للتجمعات السياحية في بحر آرال أو جبال نوروتا.

كما أن إدخال أنظمة إدارة تدفق السياح الذكية في مواقع مثل البتراء، والخدمات الرقمية في المطارات، والحجز عبر الإنترنت، والأدلة السياحية الرقمية، قد حوّل الأردن إلى وجهة سياحية عصرية. إن تطبيق أنظمة إدارة ذكية في سمرقند أو خيوة لن يكون مريحاً فحسب، بل سيكون أيضاً وسيلة فعّالة للحفاظ على التراث.

ليس من قبيل المصادفة أن رأس المال البشري هو مفتاح النجاح. ومن أبرز جوانب التجربة الأردنية المشاركة الفعّالة للمجتمعات المحلية. فعلى وجه الخصوص، من خلال بيوت الضيافة التي تديرها النساء، وبرامج تدريب المرشدين السياحيين المحليين، ومشاريع السياحة البيئية، يتضح أن السياحة تساهم في رفاهية السكان.

إن تطبيق هذا النموذج في وادي فرغانة أو كاراكالباكستان لن يجلب فوائد اقتصادية فحسب، بل فوائد اجتماعية أيضاً. عندها فقط ستصبح السياحة محركاً حقيقياً للتنمية، أي أنها ستغير ليس فقط مصائر الفنادق، بل مصائر البشر أيضاً.

في عالمنا المعاصر، تنتشر المعلومات بسرعة فائقة. لذا، من الضروري الاستجابة الفورية للمواقف السلبية وتعزيز صورة الأمان والضيافة. ويمكن لحملات التسويق المشتركة، مثل حملة “قلب الشرق الآمن والمضياف”، أن تفتح آفاقاً جديدة في أسواق جنوب شرق آسيا وأوروبا.

لا يقتصر التعاون السياحي بين أوزبكستان والأردن على مجرد تبادل للوفود، بل هو فرصة لدراسة خارطة طريق تنموية ناجحة وتكييفها مع الظروف الوطنية. وإذا ما تعزز هذا التعاون بمشاريع محددة ومبادرات مشتركة ومنهجية منظمة، فإن المسافة بين سمرقند وعمّان ستتلاشى. وسيصبح قطاع السياحة قوة دافعة لتقريب الشعبين، وتعزيز الاقتصاد، وبثّ الثقة في المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى