
على مفترق طرق المصير.. البريطانيون في أرض أوزبكستان
أصـــداء/ وكالة الأنباء الأوزبكية
تتباعد بريطانيا العظمى وأوزبكستان جغرافيا بآلاف الأميال، لكن عجلة التاريخ وضعت ممثلي هاتين المنطقتين في صراع في أوقات مختلفة.
لا يقتصر تاريخ البريطانيين في أوزبكستان على السياحة أو العلاقات التجارية فحسب، بل يشمل السياسة والعلاقات الدبلوماسية والبحث العلمي. وبالنظر إلى الإحصاءات، نجد أن عدد البريطانيين المقيمين إقامة دائمة في أوزبكستان لم يكن كبيرًا. فعلى سبيل المثال، في عام 1926، لم يتجاوز عدد البريطانيين المقيمين في أوزبكستان 20 شخصًا. وبحلول عام 1979، ارتفع هذا العدد إلى 5، ثم إلى 9 بحلول عام 1989. ومع ذلك، لا تعكس هذه الأرقام حقيقة الأحداث التاريخية، لأن بصمة البريطانيين في المنطقة لا تُقاس بالأرقام، بل بالثقل السياسي والثقافي.
عندما نتصفح صفحات التاريخ، تبرز أولاً العلاقات الدبلوماسية الرفيعة التي سادت خلال عهد الأمير تيمور. فقد أقام حوارًا متكافئًا ليس فقط مع الشرق، بل مع العالم الغربي أيضًا. وتحتوي المصادر على معلومات قيّمة حول مراسلات الأمير تيمور وابنه ميرونشاه مع حكام أوروبا الغربية. وتجدر الإشارة بشكل خاص إلى العلاقات الدبلوماسية مع الملك الإنجليزي هنري الرابع. فقد كُتبت رسائل الملك إلى الأمير تيمور وميرونشاه باللاتينية، بينما كُتبت ردود الأمير تيمور بالفارسية. وقد توسط في هذه المهمة الهامة كل من رئيس الأساقفة يوحنا، ممثل الفاتيكان، والراهب الدومينيكاني فرنسيس. وتؤكد هذه الأدلة أن سمرقند كانت آنذاك إحدى مراكز السياسة العالمية.
في القرون اللاحقة، لم يخفت اهتمام ممثلي بريطانيا بآسيا الوسطى. ففي القرن السادس عشر، وتحديدًا بين عامي 1558 و1560، زار الدبلوماسي أنتوني جينكينسون هذه المناطق، وتحديدًا مدن سمرقند وبخارى وخوارزم، ودوّن معلومات قيّمة. تُعدّ مذكرات جينكينسون مصدرًا هامًا لمؤرخينا، إذ تُساعد هذه الملاحظات في تكوين فكرة عن بيئة ذلك العصر، وأسعار الأسواق، والحياة الاجتماعية. إضافةً إلى ذلك، في فبراير 1740، انطلق ممثلا الشركة الروسية، جورج طومسون وريجينالد هوغ، إلى خيوة وبخارى بهدف توسيع العلاقات التجارية. وخلال الرحلة، وصل كلاهما إلى خيوة، ولكن شاءت الأقدار أن يتمكن جورج طومسون وحده من الوصول إلى بخارى.
بحلول منتصف القرن التاسع عشر، تغير الوضع. خلال هذه الفترة، اشتدت المنافسة الجيوسياسية المعروفة باسم “اللعبة الكبرى”. في الفترة ما بين عامي 1831 و1833، سافر ألكسندر بيرنز إلى بخارى وكتب وصفًا تفصيليًا لهذه المنطقة. في النصف الثاني من القرن، بدأ الإنجليز بالظهور في تركستان، إما بشكل دائم أو مؤقت. كان من بينهم مدرسون إنجليز، وممثلون عن شركات تجارية، وموظفو فنادق، وحتى مربيات. لكن علاقاتهم مع السكان المحليين لم تكن سلسة، ويعود السبب الرئيسي في ذلك إلى الاختلافات الدينية والثقافية. كما نظرت حكومة الإمبراطورية الروسية إلى أنشطة الإنجليز هناك بعين الريبة، وحاولت إخضاعهم لمراقبة مستمرة. واضطر الإنجليز إلى التواجد بشكل أكبر في أوساط المسؤولين العسكريين والتجار الروس.
ومع ذلك، تجذب ثقافة أوزبكستان الفريدة السياح كالمغناطيس. وقد انبهر هنري لينسديل، الذي زار سمرقند عام ١٨٨٤، بمعالمها المعمارية. وتمكن من أخذ عينات من بلاط سمرقند معه، معربًا عن امتنانه الشديد لذلك. وقد انعكس هذا الحدث في مذكرات معاصريه. وفي عام ١٨٩٩، زارت السيدة غونتر والسيدة غانبري أوزبكستان كسائحتين، وسجلتا انطباعاتهما أيضًا. كما تركت شخصيات مثل الآنسة هورن، التي عملت في عائلة الحاكم العام للبلاد، فريفسكي، بصمتها في التاريخ. أما أنشطة فريدريك بيلي، رئيس البعثة البريطانية في تركستان خلال الحرب العالمية الأولى والحرب الأهلية، فهي موضوع بحث منفصل.
بحسب “أطلس أوزبكستان العرقي”، انخفض عدد الإنجليز في أوزبكستان انخفاضًا حادًا خلال سنوات الحكم السوفيتي. تعرض معظمهم للقمع أو غادروا البلاد. مع ذلك، كان لبعض العلماء والعاملين في المجال الثقافي أصول إنجليزية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك رئيس قسم الآثار في آسيا الوسطى، الأكاديمي ميخائيل يفغينيفيتش ماسون. كان أجداده من جهة والده من عائلة مايسن الاسكتلندية، ومن جهة والدته من الإنجليزية إس. وايت. كرس ماسون حياته لدراسة التاريخ القديم للشعب الأوزبكي، وقدم خدمات جليلة في دراسة الآثار القديمة في سمرقند وترمذ وطشقند. ولا يزال إرثه العلمي ذا أهمية بالغة حتى اليوم.
ختاماً، يمكن القول إن تاريخ اللغة الإنجليزية في أوزبكستان حافلٌ بالأحداث الشيقة. فقد قطعت هذه العلاقات شوطاً طويلاً، بدءاً من المراسلات الدبلوماسية وصولاً إلى الاكتشافات العلمية. واليوم، تتواصل الروابط الاقتصادية والثقافية على نحوٍ متطور، حيث يزور أوزبكستان مدرسو اللغة الإنجليزية والسياح ورجال الأعمال.














