
القراءة.. إسهام في توسيع المدارك وتعزيز الوعي والمعرفة لدى الشباب
أصـــداء/ العمانية
يعود اهتمام الإنسان بالقراءة إلى كونها المُحرّك الرئيس والأساسيّ لتغذية روحه وعقله، فهيّ النافذة الأوسع التي يُطلّ منها على عوالمه المُتعددة من أجل تنميّة المعارف وبناء الوعي الإنسانيّ وصقل القدرة على التفكير والتحليل النقديّ، وهذا ما يأتي في سياق الارتباط الوثيق لقيمة القراءة بفئة الشباب، باعتبارهم ركيزة للحاضر وصُنّاعًا للمُستقبل، حيث تُسهم في توسيع المدارك، وتعزيز الوعي بذواتهم وقضاياهم الخاصّة وتمكينهم من التفاعل الإيجابيّ مع التحوّلات الثقافيّة والعلميّة التي تنفتح على الفضاءات المعرفيّة يومًا بعد يوم.
كما أنّ القراءة تكوّن لدى الشباب خبرات إنسانيّة متنوّعة تتجاوز حدود الزمان والمكان، فهي تُنمّي فيهم قيم التسامح والانفتاح والحوار مع ما ينعكس في صورة مُباشرة على سلوكهم الفرديّ والجماعيً في المُجتمع.

وأولت سلطنة عُمان اهتمامًا بالغًا بالقراءة عبر مُؤسساتها الرسميّة ، إيمانًا بدورها في بناء الإنسان وتعزيز الوعي من خلال دعم المُبادرات الوطنيّة والمسابقات الثقافيّة والتعليميّة، وذلك من خلال جُملة من البرامج القرائيّة، بهدف تشجيع الشّباب على المعرفة، انسجامًا مع رؤيتها للتنميّة الثقافيّة المُستدامة.
ومن بين المشاريع الرائدة التي تهتم بالقراءة لدى الشّباب في سلطنة عُمان، والتي تأتي حاضرة في عدد من الأعمال الثقافيّة، مُسابقة القراءة الوطنيّة، التي سجّلت حضورها النوعيّ في دورات معرض مسقط الدوليّ للكتاب وبتنفيذٍ من وزارة التعليم في سلطنة عُمان. حيثُ انطلقت بنسختها الأولى في عام 2024 – 2025، وتستكمل هدفها بنسختها الثانيّة لعام 2025 – 2026.
وفي هذا السياق يقول محمد بن مرهون المكتومي، مدير دائرة المُبادرات الشبابيّة بوزارة الثقافة والرياضة والشباب: “تأتي هذه المُسابقة لتؤكد على رسالتها السنويّة في مجال القراءة وهيّ مشروع وطنيّ ثقافيّ يتضمّن برامج تفاعليّة تنفّذها وزارة التعليم، وتُشرف عليها لجنة المُبادرات المُجتمعيّة في معرض مسقط الدوليّ للكتاب، وتهدف إلى تعزيز القدرات اللغويّة والتعبيريّة لدى الطلبة، وتحفيز التفكير النقديّ، وترسيخ حب القراءة”.
ويُضيف: “يستهدف هذا المشروع طلبة المدارس من مُختلف محافظات سلطنة عُمان، ويستمر على مدار العام الدراسيّ وفق ثلاث مراحل تنافسيّة”. وتشير الإحصائيات الناتجة عن النسخة الأولى من هذه المُسابقة إلى مشاركة 1345 طالبًا وطالبة، تأهّل منهم 411 طالبًا وطالبة على مُستوى المُحافظات، ثم تنافس 44 طالبًا وطالبة على المُستوى المركزيّ، كما تم تكريم من وصلوا إلى المرحلة الختاميّة، وعددهم 12 طالبًا وطالبة من مُختلف محافظات سلطنة عُمان، علمًا بأن عدد الكُتب المقروءة تجاوز 500 كتاب”، وفي حديثه صرّح بأنّه سيتم الإعلان عن نتائج النسخة الثانيّة من المُسابقة خلال معرض مسقط الدوليّ للكتاب القادم.

وأضاف: “هُناك مشاريع شبابيّة غير ربحيّة تهدف إلى إشراك الشباب في تنفيذ المشاريع التي تهمّ فئة الشباب، وفق القُدرات والإمكانات المُتاحة، ففي مجال القراءة للناشئة، لدينا ثلاث مُبادرات شبابيّة، أولًا مُبادرة (باقون وللحُلم بقيّة)، نفّذت هذه المُبادرة نشاط (ولايتـي تقـرأ) بنُسختين في ولايات صحار، صحم، والخابورة، حيث يتنافس الطلبة عبر ثلاث مراحل (مرحلة المدرسة، ثم مرحلة الولاية، ثم المرحلة الختامية)، ثانيًا: مُبادرة (روضة القراءة)، وهيّ تُعنى بالقراءة للناشئة في قرية سمد الشأن، حيث تعمل على تشجيع الناشئة على القراءة واقتناء الكُتب، كما وفّرت مكتبة متكاملة تضّم كتبًا مُتنوعة للأطفال والناشئة، ثالثًا مُبادرة (خضراء الفكر)، وهيّ مُبادرة شبابيّة تُعنى بتأسيس مكتبات صغيرة في المُتنزهات، بما يُسهم في دمج مُتعة القراءة مع مُتعة التنزّه”.
وللمكتبات العامّة والأهليّة دور كبير في سلطنة عُمان في إيجاد حلقات وصل مُستمرّة مع الأجيال، وتُساهم في بناء الوعي المُجتمعيّ، وكمثالٌ حيّ في ذلك، يقول حمد بن محسن العبري – عضو مجلس مؤسسيّ مكتبة الشيخ محسن بن زهران العبري الأهليّة بولاية الحمراء: “في ظل التحوّلات المُتسارعة التي أعادت تشكيل اهتمامات الأجيال الجديدة في مجالات التعليم والثقافة والتقنيّة، برزت مكتبة الشيخ محسن بن زهران العبري الأهليّة العامّة كأنموذج ثقافيّ فاعل أعاد تعريف وظيفة المكتبة من كونها فضاءً لحفظ الكتب إلى منصّة معرفيّة شاملة تُسهم في بناء الوعيّ المُجتمعيّ وتعزيز الهويّة الثقافيّة المحليّة”، يُضيف العبري: “وقد استندت المكتبة في رؤيتها إلى الجمع بين المعرفة التقليديّة والوسائط الحديثة، وربط القراءة بالبيئة والمُمارسة والتجربة”.
ويُضيف العبري: “لا شّك في وسط مُتغيرات الزمن، وجب التجديد والتغيير وِفق ما يتناسب مع تقدّم الحياة ومُجرياتها، وذلك لجذّب الجيل الجديد ومساعدة الشّباب وتحبيبهم في القراءة، ومن بين أدوار المكتبة المُتجدّدة: “هناك سعي على تنويع أدوار المكتبة الثقافيّة والمعرفيّة، فتّم إلحاقها بأركان تعليميّة وتجريبيّة هدفت إلى توسيع دائرة التفاعل مع المعرفة، من بينها ركن للتجارب العلميّة المُبسطة يقوم من خلاله أبناؤنا الطلبة بمُختلف مراحلهم بالقيام بتجارب علميّة لتثبيت ما يتعلموه في دراساتهم، ومُتحف يضّم مُقتنيات تراثيّة مُرتبطة بالثقافة المحليّة، بما يُعزز الوعيّ بالتاريخ الماديّ وغير الماديّ للمُجتمع، كما خُصّص مسرح ثقافيّ يُقام فيه مناشط ثقافيّة وفكريّة، إلى جانب تنظيم حلقات عمل وندوات في مجالات معرفيّة مُتعددة، تُسهم في تبادل الخبرات وتنميّة المهارات”.وبيّن العبري اتجاهات مكتبة الشيخ محسن في تسهيل عمليات البحث والقراءة للقرّاء: “أنشأت المكتبة أركانًا معرفيّة مُتخصّصة، من أبرزها ركن الطفل الذي احتوى على كتب موجهة للأطفال، صُمّمت ضمن بيئة تعليميّة تجمع بين القراءة والتعليم الحركيّ، بما يُسهم في تنمية المهارات الإدراكيّة والحركيّة لدى الطفل، ويعزز علاقته المُبكّرة بالكتاب”، وأضاف: “كما أُنشئ رُكن خاص في ولاية الحمراء جُمعت فيه الكُتب والأبحاث والدراسات التي وُرد فيها ذكر الولاية، الأمر الذي سهّل على الباحثين الوصول إلى المادة العلميّة المُرتبطة بالمكان، وجعل المكتبة مرجعًا محليًّا للبحث والدراسة”.
وأشار العبري إلى أنه وفي سياق العصر الحديث ومواكبة التحوّل الرقميّ – تسعى المكتبة إلى مواصلة التطوّر فقد قامت بفهرست الكُتب وربطها بعالم التقنيّة ليُسهّل لمُرتادي المكتبة البحث عن رغباتهم من الكُتب من خلال محركّات البحث في موقع المكتبة الإلكترونيّ، كما أعـدت المكتبة مقاطع مرئيّة تعريفيّة لعدد من الإصدارات العلميّة، شملت كُتبًا ورسائل ماجستير ودكتوراه، يقدّم فيها المؤلفون أنفسهم وملخصات لأعمالهم وأبرز نتائجها، ما أسهم في تقريب المعرفة من الجمهور وتحفيز القراءة المُتعمّقة، كما تُساهم المكتبة في زيادة المعرفة بالتجارب الميدانيّة، يقول العبري: “اعتمدت المكتبة الرحلات الاستكشافية الثقافيّة في محيط المُجتمع من جبال وسهول، حيث يقوم المشاركون بالرّصد والتوثيق والكتابة، لتتحوّل التجربة الميدانيّة إلى معرفة مكتوبة تُضيف بُعدًا جديدًا للمُحتوى المحليّ”.
وتمثّل مكتبة الشيخ محسن بن زهران العبري الأهليّة العامّة أحد أبرز النماذج الثقافيّة في تفعيل الدور المُجتمعيّ للمكتبات بوصفها محركات وعي ثقافيّ، ومنصّات إنتاج معرفيّ وجسور تربط بين الإنسان والمكان والتاريخ، وتُسهم في بناء هويّة ثقافيّة راسخة قادرة على التفاعل مع معطيات العصر دون التفريط في خصوصيتها.
وبجانب المكتبات الأهليّة والعامّة، تبرز المُبادرات القرائيّة الشبابيّة التي تُساهم بشكل أو بآخر في نشر ثقافة القراءة بين المُجتمع الشبابيّ، وتُعتبر مُبادرة (روّاق الأدب) أحد الأمثلة على العديد من المُبادرات القرائيّة.
في هذا السياق، يقول ناصر بن سعيد الصباحي – من مُبادرة (روّاق الأدب): “تأسّست مُبادرة رواق الأدب في ٣٠ يناير ٢٠٢١ وهيّ تعمل تحت مظلّة وزارة الثقافة والرياضة والشباب، وبلغ عدد أعضائها ما يُقارب ٢٢ قارئ وقارئة، وهيّ مُبادرة ثقافيّة أدبيّة، تهدف الى نشر ثقافة الأدب العربي في المُجتمع وإقامة الفعاليات الأدبيّة وتثقيف الشباب والأطفال، للمُساهمة في إنشاء مُجتمع واعي لديه حُب التعرّف على الأدب بشتّى أنواعه”.
يضيف: “أنسى مُعظم ما أقرأه، مثلما أنسى مُعظم ما أتناوله من طعام ومع ذلك، أُدرك أنّ كليهما يُسهم في إثراء عقلي وجسدي، وبالمثل، فإن النقاشات تُثري عقلي وكأنّني أقرأ الكتاب بعقول مُتعددة، وتبقى المعلومات راسخة بطُرق مُختلفة”.
وعن القيمة المُضافة التي استطاعت مُبادرة رواق الأدب تقديمها للمشهد الثقافيّ في سلطنة عُمان، يقول الصباحي: “كانت البداية بسبب الخوف والنّقاش أمام العامّة، وهذا ما جعل أول قيمة أُضيفت اليّ بشكل شخصيّ عند مُشاركتي في هذه المُبادرات هيّ التحدث أمام الآخرين، كما أنّني على يقين بأنّها قيمة أُضيفت للمُشاركين في المُبادرة، واختلاف الآراء يجعل لديك التقبّل وملكة النقد ويُساعدك على التركيز في الحوار”، ويُضيف: “مما ساعدت المُناقشة عن الكُتب في منح مهارات وخبرات كثيرة، فيجعل القارئ يُخاطب عقولاً مُختلفة، وكأنّما يقرأ الكتاب بطريقة أخرى، كما يُساعد ذلك في إتقان اختيار الكتاب وكيفيّة استخراج المعرفة منه بطريقة رائعة”.
ويُبين الصباحي: “هُناك الكثير من المُؤسسات التي تُساهم في نجاح هذه الفعاليات بشكل رائع وداعم، ما يُمكّننا من نشر الوعي بالقراءة أكثر في المُجتمع بطُرق مُختلفة، ونلمس ذلك التغيير الإيجابيّ في الأعضاء وتعبيرهم عن مشاعرهم والنتيجة التي تُعطيهم دافعًا كبيرًا في القراءة”.
ويبرز ناصر نتاج المُبادرات: “هُناك جوانب كثيرة تُفيد في الجانب الشخصيّ والمُجتمعيّ، يجد القارئ المساحة الكافيّة أمام المُجتمع لجعله فعّالًا وحقيقيًا يُفيد ذاته ومحيطه، لا لتكون المعلومات بين الأرفف في المكتبة، بل لتُنثر تلك المعرفة بين بساتين المُجتمع وتُفيد الكثير”، ويؤكد: “تُساهم هذه المُبادرات أيضًا في نشاط التجارة من خلال التسويق للكُتب، والنشاطات المُهتمّة بهذا الجانب، ومن خلالها يتمكّن الفرد من الترويج لمؤلفاته وإبرازها بطريقة رائعة”.
وعند الاقتراب أكثر من القُرّاء الشّباب المُشاركين في مثل هذه المُبادرات، تقول نافلة بنت سليمان الفلاحية – قارئة: “في بداياتي، كنت أعتمد على كتاب واحد أو مصدر واحد لاكتساب المعرفة، لكن الواقع المعرفيّ اليوم تغيّر تمامًا، لم تعد المعلومة تقف في زاوية واحدة، بل أصبح بإمكاننا من خلال منصّات المعرفة المتعددة، أن نبحر في عوالم واسعة ونصل إلى كم هائل من المعلومات في الوقت نفسه، ومن مصادر متنوّعة وموثوقة، ومن مختلف أنحاء العالم”.
وعن رحلة البداية في عالم القراءة، تُبيّن نافلة: “كانت البذرة الأولى من والدتي رحمها الله، فقد قامت منذ طفولتي وأنا في عمر الثلاثة أعوام بشراء مكتبة مصغّرة، ورغم أنني توقفت عن القراءة لفترة لاحقًا، إلا أنني عُدت إليها بقوّة في الصف الحادي عشر، لأبدأ منذ ذلك الوقت في قراءة مئات الكتب والمقالات حتى يومنا هذا، ولم تضع تلك البذرة، بل أزهرت وأثمرت حُباً دائمًا للعلم والمعرفة”.
أمّا عن الاستمراريّة وحُب التنقّل بين جنبات الكُتب، تقول الفلاحية: “عزّزت شغفي بالقراءة عبر انضمامي إلى نادي بيت القراءة، وهو نادٍ مُسجل لدى وزارة الثقافة والرياضة والشباب، كما تشرّفت بالمُشاركة كمُتطوّعة لمدة عامين متتاليين في معرض مسقط الدولي للكتاب، حيثُ عشت تجربة ثريّة بين الكُتب لأكثر من عشرة أيام متواصلة ولساعات طويلة، ما ساهم في تعميق ارتباطي بعالم القراءة والمعرفة”.
وتذكر الفلاحية أبرز الكُتب التي أثّرت عليها: “كان كتاب (القائد: دراسة تحليليّة لشخصيات قياديّة في القرآن الكريم) من أبرز الكُتب التي قرأتها وكان لها أثر عميق في شخصيتي وحياتي العمليّة، فقد تناول الكتاب نماذج عظيمة من الشخصيات القياديّة في زمن الرُسل والصحابة، واستعرض أساليب وتقنيات قياديّة مُؤثرة انعكست بشكل واضح على فهمي لخصائص الأفراد، وطريقة التعامل معهم بوعي ومُرونة”، وتُضيف: “وقد لفتني في هذا الكتاب الربط العميق بين القيادة والعلم والذي يؤكد أنّ كثرة المعرفة تثمر حكمةً ووعيًا، وهو ما ساعدني على تطوير أسلوبي في التعامل مع المواقف المُختلفة، والارتقاء بمهاراتي في التواصل واتخاذ القرار”.
وعن نتاج التنوّع المعرفيّ تبيّن الفلاحية: “هذا التنوّع أسهم بشكل مُباشر في توسيع مداركي وبناء رؤية مستقبليّة أكثر وعيًا وثقة، فالاطلاع على وجهات نظر مُختلفة، ووجود قاعدة، لتحليل المُحتوى من زوايا مُختلفة، عزّز قدرتي على الفهم العميق، ومنحني مرونة فكريّة ساعدتني على التكيّف مع التغيرات السريعة التي تحدث في العالم، كما أنّ تعدّد المنصّات، سواء كانت كُتب إلكترونيّة، أو مقالات، أو منصّات تعليميّة ثقافيّة أو أفلام وثائقيّة، أتاح لي فرصة إبراز المعرفة بطريقة مُتنوّعة ومنمّقة، لها طابع مُميّز يستند إلى مصادر متعدّدة وخلفيات فكريّة مُختلفة”.
وتؤكد الفلاحية أنّ المعرفة ليست مُجرد شهادة أكاديميّة أو مهنيّة ننجزها في مرحلة عمريّة مُحدّدة ثم نتوّقف عندها، بل هيّ رحلة مُستمرّة لا نهاية لها، فتبيّن: “كلما حفرنا قليلًا في عُمق المعرفة، انبثقت متعتها كالماء من البئر، ودفعتنا إلى المزيد من الفضول والاكتشاف، هذه الرحلة المعرفيّة تجعلنا أكثر دقّة في الملاحظة، وأكثر إبداعًا في التفكير، وقادرين على التحليل بوعي مُختلف عن أولئك الذين توقفوا عند حدود شهادة واحدة أو دورة تدريبيّة، وشعور الاكتفاء وعذر ضيق الوقت يتخلّل في أذهانهم”.
وعن الجانب المهنيّ تقول: “تُعتبر من أساسيات التميّز والاستمراريّة، فالموّظف الذي يحرص على التعلّم المُستمر، ويطوّر معرفته بذلك تلقائيًّا تتطوّر مهاراته، فيُصبح عنصرًا لا يمكن الاستغناء عنه، لأنه يمتلك قدرة على الفهم، والتجديد، ومواكبة التطوّرات دون خوف أو مقاومة للتغيير”، ففصحت نافلة على أنّ مُتعة الاستكشاف المعرفيّ ليست فقط طريقا للنجاح الشخصيّ والمهنيّ، بل أسلوب حياة يمنحنا الثقة، ويجعلنا أكثر وعيًا بذواتنا وبمستقبلنا.
ومن جانبه، يقول أحمد بن مبارك العبري عن بداياته في القراءة: “لا زلتُ أذكر بعض البدايات التي ساهمت في تشكّل عادة القراءة لديّ والتي كانت في المرحلة الابتدائيّة من دراستي، فقد كنت فضوليًا في قراءة المراجع التي يتم الإشارة إليها في الجزء الأسفل من صفحة الكتاب المدرسي مثل: (١) الآية رقم ٢٥٥ من سورة البقرة، فكنت أذهب لأعرف أين موقع سورة البقرة من المصحف وكم عدد آياتها وأين تقع هذه الآية وأحاول جاهدًا أن أقرأ السورة كاملة، كما كُنت أقرأ الصفحات الأخيرة من كتاب الأطلس والذي يتضمّن أسماء القارات والدول التي تقع فيها وعدد سكانها ومساحتها وعواصمها ونظام الحكم فيها، ولقد جعلني هذا أقرأ كتبًا أخرى ساعيًا للتعرف أكثر على أمور مُختلفة”، ويُضيف: “ولقد كان لوالدي دور كبير في نشأة هواية القراءة لديّ، إذ كان يتحدث عن بعض الكُتب والمؤلفين وحياتهم وما كتبوه وكيف أنّ علمهم ساهم في تنمية مُجتمعاتهم، ولحسن حظي بأن والدي كان لديه مكتبة في البيت تضم كتبًا مُختلفة قرأت بعضًا منها واستفدت منها في حياتي”.
وفيما يتعلّق بتأثير الكُتب على القارئ، يوّضح العبري: “بعض الكُتب تشعرك بالمُتعة عندما تقرأها لكنك لا تستفيد منها كثيرًا، فبمُجرد الانتهاء منها تنسى ما قرأته، وفي المقابل فإنّ بعض الكُتب يعلق محتواها في ذهنك وتتفاعل معها بقلبك وتجعلك تعيد النظر في بديهيات اعتدت عليها ولو كانت بخلاف ما تهوى، وهذا هو الفرق بين الكتاب المُمتع وبين الكتاب المؤسّس”، وعن أبرز الكُتب والكُتّاب الذين أثّروا فيه يقول: “كان لكتاب مصرع الإلحاد للشيخ أحمد الخليلي وكتاب مهزلة العقل البشري للدكتور علي الوردي أثرًا عميقًا في تفكيري ورؤيتي للحياة والإنسان والقيم، اعتبرتها بمثابة موسوعات مصغّرة تعرض لك جوانب تاريخيّة وعلميّة وجوانب حاليّة وجوانب مستقبليّة كذلك، ولعلّ الدكتور علي الوردي هو أكثر كاتب قرأت له”.
ويعزّز العبري في القيمة التي تكمُن في نوعيّة الكُتب المُختارة للقراءة لا في عددها، فيقول: “لا أميل إلى إحصاء عدد الكُتب التي قرأتها، وأرى أنّ القيمة التي يُضيفها القارئ إلى نفسه تكمُن في نوعيّة ما يقرأه ولو كان قليلًا، فقراءة صفحة واحدة أو رسالة في تطبيق الواتس اب أو أي وسيلة تواصل اجتماعيّ بتركيز وتفاعل يوميًا تزيد من وعي القارئ وتشجعه في تطبيق ما يصبو إليه من خير؛ أفضل بكثير من قراءة كُتب مُختلفة وصفحات كثيرة من دون أن تنعكس على تقويم فكره وسلوكه”.
وعن مشاركته في مُبادرات القراءة الشبابيّة يُضيف: “شاركت مع إحدى مجموعات القراءة والتي أثرت في استفادتي كثيرًا بالرغم من قلّة الكُتب التي قرأتها مُقارنة بما كنت أقرأه في السابق، إذ اكتسبت بعض المهارات المهمّة في اختيار الكُتب وفي قراءتها ومراجعتها ومناقشتها، وأشعر بأنّ المهارات التي يكتسبها القارئ وينميها بالممارسة مثل اختيار المواضيع والتركيز على الفصول المهمة ومناقشة الأفكار بدون تعصّب هي التي تنقله من قارئ مُستهلك للكُتب إلى قارئ ناقد يقتنص الأفكار والطرق بشكل إيجابيّ ويسعى إلى تحسين ما تعلّمه، فيرى مواطن الجمال في القراءة وينتفع بأهم ما قرأه في جوانب حياته المُختلفة”.














