
المصوّر سالم الراشدي: الصورة الناجحة تترك أثراً لدى المتلقي وتُسهم في بناء جسور التعاطف بين الناس
أصـــداء / العُمانية
يرى المصور الفوتوغرافي العُماني سالم بن محمد الراشدي أن الصورة الفوتوغرافية تمثل مساحة حيوية تتقاطع فيها وظيفتان أساسيتان هما التوثيق والرؤية الفنية، وأنهما في علاقة تكامل تمنح العمل الفوتوغرافي عمقه الإنساني والجمالي.

وقال الراشدي في تصريح لوكالة الأنباء العُمانية: إن التوثيق في العمل الفوتوغرافي ليس مجرد تسجيل حرفي للواقع أو نقل محايد للحظة، بل هو نقطة البداية لبناء رؤية فنية تعتمد على زاوية النظر، وتكوين الصورة، وتوظيف الضوء، مما يحولها من وثيقة صامتة إلى خطاب بصري يحمل دلالات ومعاني عميقة.

وأشار الراشدي إلى أن المصور يعيد تفسير الواقع وبناءه بصرياً وفقاً لموقفه الفكري أو الشعوري، وأن دور الصورة في الوقت الراهن يتجاوز”تسجيل اللحظة” وهو ما تقوم به الأجهزة الذكية يومياً، ليصل إلى مرحلة “التأثير الثقافي والإنساني” من خلال إثارة الأسئلة، ونقل القضايا، وتوثيق الذاكرة الجماعية.

واستعرض الراشدي مجموعة من الإنجازات الدولية التي حققها، منها الحصول على 4 ميداليات ذهبية من الاتحاد الدولي لفن التصوير الضوئي(FIAP) و 3 ذهبيات من الجمعية الأمريكية للتصوير الضوئي(PSA) في مسابقات بدولة الجبل الأسود، بالإضافة إلى ميدالية ذهبية في ألبانيا، وذهبية أخرى من(FIAP) في كل من الهند واليونان، إلى جانب جوائز وميداليات متنوعة من إيطاليا والبوسنة والهرسك والولايات المتحدة الأمريكية.

وعلى المستوى المحلي، أشار إلى فوزه بالمدالية البرونزية في مسابقة “محور المربع” التي نظمتها الجمعية العُمانية للفنون، مؤكداً أن هذه الجوائز تمثل حافزاً معنوياً ومعرفياً يمنح المصور الثقة لمواصلة الاجتهاد وتقديم أعمال ذات قيمة فنية وإنسانية عالية.
وأكد أن الصورة الناجحة هي التي تترك أثراً ملموساً لدى المتلقي وتدفعه للتفكير والشعور، وتسهم في بناء جسور التعاطف بين الناس، لتكون أداة فاعلة في الحراك الثقافي والاجتماعي. ففي ظل كثافة الصور وسرعة تداولها، لم تعد المشكلة في إنتاج الصورة اليوم بل في تميّزها وبقائها في الذاكرة. وأن بناء لغة بصرية واضحة لا يتحقق بكثرة اللقطات أو المؤثرات، وإنما عبر وعي المصوّر بخياره الجمالي والفكري؛ أي أن تكون لكل صورة هوية وموقف، لا مجرد مشهد عابر.

وأوضح أن التعامل مع اللغة البصرية يشبه إلى حد كبير بناء اللغة المكتوبة، من حيث الاعتماد على مفردات وأساليب متكررة تُشكّل أسلوباً خاصاً للمصور، مؤكداً على ضرورة الاتساق في الرؤية، واختيار الموضوعات بعناية، وتوظيف الضوء والتكوين واللون بطريقة تخدم الفكرة الأساسية وتجنب الزحام البصري داخل الكادر.
وحول العناصر التي تمنح الصورة قيمة فنية ومعنوية مستمرة، حدد الراشدي خمسة ركائز أساسية تتمثل في: توظيف الضوء كأداة تعبيرية، والتكوين المتوازن الذي يبرز الفكرة، واللحظة الإنسانية الصادقة، والسياق الثقافي أو البيئي المرتبط بذاكرة المكان والهوية، بالإضافة إلى الصدق والبساطة والابتعاد عن المبالغة التقنية.
وأوضح أن الصورة بالنسبة له تمثل حكاية ومعنى يتجاوزان زمن التقاطها، مما يجعلها قادرة على التأثير المستمر حتى بعد مرور سنوات طويلة، نظراً لما تحمله من قيمة إنسانية وفنية ثابتة.
وللبيئة العُمانية في عيون سالم الراشدي مصدرًا جوهريًا للإلهام البصري والفكري، كونها ذاكرة حيّة تختزن التاريخ والثقافة والهوية. فالجبال، والبحر، والصحراء، والقرى القديمة، والعمران التقليدي، كلها عناصر تمنحه مفردات تشكيلية غنية، يستمد منها الضوء، واللون، والملمس، والإيقاع البصري الذي يميز صوره ويمنحها خصوصيتها المحلية.
وتُمثل الصورة الفوتوغرافية لدى الراشدي مرآةً تعكس عراقة التاريخ وتفاصيل الهوية الوطنية وفق تعبيره؛ حيث يتجاوز الاشتغال الفني في هذا المجال مجرد التوثيق البصري العابر إلى تقديم قراءات عميقة تربط الإنسان العُماني بجذوره الضاربة في القدم.
ويقول الراشدي: إن المصور العُماني عادة ما يحرص من خلال أعماله على استنطاق المفردات التراثية، المتمثلة في العمارة التقليدية، والحِرف اليدوية، والأزياء، والطقوس اليومية، باعتبارها ركائز أساسية للذاكرة الجمعية وامتدادًا لسياق تاريخي وثقافي واسع، مما يمنح الصورة بُعدًا رمزيًا يتجاوز حدود الزمن. ومن خلال توظيف الضوء تتجلى الحساسية البصرية في التعامل مع العناصر الفنية لإبراز الملامح الجمالية للمكان وعلاقته بالإنسان، حيث تتحول الصورة إلى مساحة حوارية بين الماضي والحاضر، تهدف إلى الحفاظ على الذاكرة الوطنية عبر التأويل الفني والبناء الجمالي المتكامل. ويساهم هذا الوعي الفني في تحويل التاريخ من مادة أرشيفية إلى طاقة إبداعية تُوجّه الرؤية الفنية، مما يعزز من قيمة الصورة كوثيقة ثقافية تقترح فهمًا جديدًا للواقع برؤية إبداعية معاصرة.
وتُبرز الأعمال الفوتوغرافية للفنان العُماني سالم الراشدي رؤية بصرية متفردة تتجاوز الشكل الخارجي للوجوه والأمكنة، لتغوص في أعماق “الحكاية” الإنسانية والارتباط الوثيق بالبيئة العُمانية. ففي تصوير الوجوه يركز الراشدي على التقاط تفاصيل تعكس “آثار الزمن” والتجربة الإنسانية، كالتجاعيد ونظرات العين وعفوية التعبير، معتبرًا إياها علامات للهوية تمنح الصورة عمقًا وقيمة شعورية وفنية متكاملة. كما يسعى الفنان من خلال زوايا تصويرية مختارة إلى تجسيد “روح المكان” والعلاقة التبادلية بينه وبين الإنسان؛ حيث تتحول العناصر التقليدية كالأبواب القديمة والجدران الطينية والبحر إلى جزء من سرد بصري حي يكشف كيف يسكن الإنسان المكان.
ويعتمد الراشدي في أسلوبه الفني على توظيف متوازن لعناصر الضوء والظل والتكوين الإيقاعي لخدمة المعنى الإنساني، بما يضمن تكامل القيمة الجمالية مع الرسالة المرجوة من المشهد الفوتوغرافي.
كما يبرز المصور الراشدي تجربة فنية متفردة في تصوير الثقافات، تنطلق من كون الصورة ” فعل معرفة واحترام” قبل أن تكون ممارسة بصرية؛ حيث يسعى من خلال أعماله إلى تعزيز الفهم المتقارب وبناء جسور التواصل الإنساني. مبتعدًا في منهجه الفني عن النمطية السياحية، مفضلًا بناء علاقات إنسانية مباشرة مع الشخوص الذين يوثقهم، مما يضفي على صوره طابع الصدق النابع من الثقة المتبادلة. كما يتجنب تقديم الثقافات الأخرى كمشاهد فولكلورية، مسلطًا الضوء على القواسم الإنسانية المشتركة مثل العمل والفرح والتفاصيل اليومية، بما يحفظ كرامة الإنسان ويعكس واقعه الفعلي. ويرى أن الصورة الفوتوغرافية لغة عالمية تتجاوز الكلمات، وقادرة على نقل المشاعر والتجارب بسرعة ومصداقية، مما يجعلها وسيلة حوار بصري تقرب بين الشعوب وتؤكد أن الاختلاف الثقافي يمثل ثراءً وقيمة مضافة للتعايش الإنساني.
وأكد الراشدي على الدور الحيوي للمسابقات والجوائز الدولية والمحلية في مسيرة المصور العُماني، معتبراً إياها محطات لاختبار التجربة وقياس جودة العمل الفني وفق المعايير المهنية العالمية. فالمشاركة في المنافسات العالمية تضع المصور في سياق تنافسي يطلعه على أحدث اتجاهات التصوير المعاصر، وتكشف له نقاط القوة والقصور في أعماله؛ مما يحفزه على تطوير أدواته ورؤيته الفنية باستمرار.
وبين الراشدي أن المصور الفوتوغرافي ليس مجرد ناقل للواقع، بل هو صانع رؤية ومساهم في تشكيل الوعي البصري للمجتمع، مشيراً إلى أن كل صورة تحمل مسؤولية ثقافية وجمالية تسهم في رفع مستوى الذائقة العامة وتعريف المتلقي بكيفية قراءة التفاصيل وتقدير الجمال المنظم.
واختتم المصور الفوتوغرافي سالم الراشدي تصريحه بالتأكيد على أن الصورة الفوتوغرافية الواعية تعد جسراً للمعرفة والحوار، خاصة في توثيق التراث وإبراز الهوية العُمانية، مشدداً على أهمية بناء لغة بصرية صادقة قادرة على الصمود والتأثير في ظل التحولات المتسارعة وكثافة التدفق البصري اليومي.














