
سياسة خارجية متوازنة لأوزبكستان الجديدة
أصـــداء/ الأوزبكية
يتسم نظام العلاقات الدولية بتغيرات جذرية، وتزايد التنافس الجيوسياسي، وعدم استقرار عالمي. في ظل هذه الظروف الصعبة، يتعين على كل دولة تحديد مسار استراتيجي واضح في سياستها الخارجية، وأن تتبنى، مع حماية مصالحها الوطنية، نهجاً مسؤولاً لضمان التعاون والاستقرار الدوليين.
بالنسبة لأوزبكستان، تزامنت هذه العملية مع فترة مراجعة جذرية للسياسة الخارجية في إطار مفهوم “أوزبكستان الجديدة” وتشكيلها وفقًا لنهج حديث.
تتميز سياسة أوزبكستان الخارجية الحالية بنهج متعدد الأوجه قائم على مبادئ الانفتاح والبراغماتية والتوازن، مما يُسهم في تعزيز مكانتها ونفوذها على الساحة الدولية. ويُشير الاستقرار الإقليمي، والعلاقات ذات المنفعة المتبادلة مع مراكز القوى الكبرى، والدبلوماسية النشطة في المنظمات الدولية، إلى أن سياسة البلاد الخارجية قد ارتقى مضمونها إلى مستوى جديد. سنركز في هذه المقالة على جوهر هذه العملية ونتائجها العملية، ألا وهي السياسة الخارجية المتوازنة. وسيتناول عالم السياسة فرهود كريموف هذا الموضوع من منظوره العلمي والتحليلي.
شهدت السياسة الخارجية لأوزبكستان في السنوات الأخيرة تطوراً نوعياً ملحوظاً. وخلال هذه الفترة، انتهجت البلاد دبلوماسية متعددة الأوجه على الساحة الدولية، مرتكزة على مبادئ الانفتاح والواقعية والتوازن. وفي إطار مفهوم أوزبكستان الجديد، تهدف السياسة الخارجية إلى تحقيق التوازن بين المصالح الوطنية والاستقرار الإقليمي والتعاون الدولي.
إن السياسة الخارجية المتوازنة هي استراتيجية تهدف إلى إقامة علاقات ذات منفعة متبادلة مع جميع الشركاء، دون الوقوع في حالة من التبعية الأحادية بين الدول الكبرى ومراكز القوى الدولية.
تتمثل المبادئ الرئيسية للسياسة الخارجية الأوزبكية الجديدة في إعطاء الأولوية للمصالح الوطنية، والانفتاح والبراغماتية، والالتزام بالقانون الدولي، وتعزيز التعاون الإقليمي، وتطوير الدبلوماسية متعددة الأطراف.
لقد أثمرت هذه المبادئ نتائج ملموسة خلال السنوات الخمس الماضية من تطبيقها. وعلى وجه الخصوص، تم تحديد آسيا الوسطى كأولوية رئيسية للسياسة الخارجية. وقد تم حل قضايا الحدود مع الدول المجاورة، وتعزيز مشاريع النقل والخدمات اللوجستية، وزيادة حجم التبادل التجاري عدة أضعاف، وأصبحت الاجتماعات التشاورية الإقليمية منتظمة. وبشكل عام، يُعدّ بناء جو من الثقة والتعاون في المنطقة أحد أهم إنجازات السياسة الخارجية.
فعلى سبيل المثال، تتطور العلاقات مع الشريك الاستراتيجي الرئيسي في المنطقة، روسيا الاتحادية، على مستوى الشراكة الاستراتيجية. وقد توسع التعاون بشكل خاص في مجالي الطاقة والهجرة. كما تم الحفاظ على حوار وثيق بشأن القضايا الأمنية.
تعززت العلاقات مع جمهورية الصين الشعبية من خلال الاستثمار والبنية التحتية والتعاون الصناعي. ونُفذت مشاريع كبرى في إطار مبادرة “الحزام والطريق”. وفي الوقت نفسه، تنتهج أوزبكستان سياسة خارجية متعددة المحاور، تتجنب فيها الأحادية وتضمن التوازن في سياستها الخارجية.
كما تعزز الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، وتطور التعاون في مجالات التجارة والاستثمار والأمن. وجرت مفاوضات بشأن شراكة موسعة مع الاتحاد الأوروبي. وقد ساهم وضع نظام الأفضليات المعمم المعزز (GSP+) في توسيع فرص التصدير. وتُظهر هذه التوجهات أن أوزبكستان تنتهج سياسة خارجية متوازنة في إطار متعدد الأقطاب. وقد عزز النشاط في منظمة شنغهاي للتعاون، بما في ذلك قمة سمرقند، مكانة البلاد الدولية. وحظيت مبادرات مثل الأمن البيئي، وقضية أفغانستان، وسياسة الشباب، التي طُرحت في منتديات الأمم المتحدة، باعتراف دولي. وتتبنى أوزبكستان نهجًا عمليًا وإنسانيًا تجاه أفغانستان. وفي هذا الصدد، يحظى العمل الذي تم إنجازه في الحفاظ على الحوار، ودعم مشاريع النقل والطاقة، وتقديم المساعدات الإنسانية، بتقدير المجتمع الدولي. وتساهم هذه السياسة العملية في ضمان الاستقرار الإقليمي.
أُثريت السياسة الخارجية بمضمون اقتصادي. وعلى وجه الخصوص، بدأت المبادرات الكبرى في جذب الاستثمارات الأجنبية، والتعاون الصناعي، وتطوير ممرات النقل، ومشاريع الطاقة النظيفة تؤتي ثمارها. وذلك لأن السياسة الخارجية المنفتحة والمنهجية أصبحت بمثابة الدعم الخارجي للإصلاحات الاقتصادية.
ختاماً، اتخذت السياسة الخارجية لأوزبكستان الجديدة في السنوات الأخيرة طابعاً متعدد الأبعاد، براغماتياً، متوازناً، وموجهاً نحو المصالح الوطنية، وتحولت إلى استراتيجية وطنية تحظى باعتراف دولي. وقد أسهم خلق بيئة من الثقة في آسيا الوسطى، وإقامة علاقات متوازنة مع مراكز القوى العالمية، وتفعيل الدبلوماسية متعددة الأطراف، في تعزيز مكانة البلاد الدولية بشكل ملحوظ. ويمكن اعتبار نموذج السياسة الخارجية لأوزبكستان الجديدة مثالاً فريداً للدبلوماسية البراغماتية لدول المنطقة.














