بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

طوق النجاة.. حين تشفي المرأة روحها

ياسمين عبدالمحسن إبراهيم

مديرة تطوير الأعمال – شركة رواق الابتكار

 

 

في أعماق العديد من النساء زوايا خفية تحمل ندوباً لا تُرى بالعين المجردة؛ جراحٌ نُقشت بكلمات قاسية، أو خيبات أمل متراكمة، أو أثقالِ مسؤولياتٍ حُملت قبل الأوان، أو ربما حبّ صادق لم يلقَ ما يستحقه من التقدير. تتوارى هذه الجراح عادةً خلف ابتسامات هادئة وعطاء مستمر، لكنها تظل حاضرة في تفاصيل الأيام. غير أن اللحظة التي تقرر فيها المرأة التوقف عن الهرب ومواجهة هذا الألم بشجاعة، هي لحظة ولادة جديدة، ليس لها وحدها، بل للعالم من حولها.

إن رحلة الشفاء الحقيقية تبدأ حين تختار المرأة أن تفهم نفسها بدلاً من معاقبتها، وأن تداوي ندوبها بدلاً من طمسها في زحام الحياة. هذا الشفاء لا يعني بالضرورة الوصول إلى الكمال المطلق، بل يعني بلوغ مرفأ السلام الداخلي. إنه التصالح مع الماضي، والاعتراف الصادق بكل جرح، وكسر قيود العادات المؤذية التي استنزفت الروح طويلاً.

وما إن تتعافى هذه الروح، حتى يمتد نورها ليضيء دروب الآخرين :

• أمومة واعية : فالمرأة التي تشفي نفسها تغدو أماً تفيض وعياً، تكسر سلسلة الصدمات المتوارثة، ولا تثقل كاهل أبنائها بمخاوفها أو عقدها القديمة.

• شراكة متزنة : وتصبح شريكة تتسم بالاستقرار العاطفي، فلا تلقي بعبء ترميم شظاياها على من تحب، بل تشاركه حباً ناضجاً خالياً من التوقعات المجحفة.

• صداقة رحيمة : وهي في علاقاتها الإنسانية أكثر رقة، لأنها اختبرت مرارة الألم المتواري، فباتت تتقن لغة المواساة وقراءة ما تخفيه العيون.

“قد يظن البعض أن الانكفاء على الذات لشفائها هو ضرب من الأنانية، لكنه في حقيقة الأمر أسمى آيات النبل والعطاء.”

فالمرأة المتصالحة مع ذاتها تخلق هالة من الأمان والدفء تظلل كل من يعبر طريقها. إنها تصبح قادرة على منح الحب دون توجس، وتقديم العطاء دون أن تُستنزف، ونشر الرحمة دون أن تنسى حق نفسها.

في كل مرة تختار فيها امرأة أن تضمد جراحها بدلاً من تمرير ألمها للآخرين، فإنها تقطع دابر سلسلة طويلة من الوجع، وتشرع في نسج خيوط حقبة جديدة قوامها الوعي، والحب، والسلام. فسلامٌ على كل امرأة أدركت أن تعافيها ليس مجرد انتصارٍ شخصي، بل هو أثمن هدية تمنحها لكل قلب سيعانق نبضها يوماً ما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى