بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

هل ستُوجَّه طائرات F-35 يوماً نحو الكيان المحتل لفلسطين ؟!..بين الخطابات السياسية وحقائق التحالفات

سُلطان بن خلفان اليحيائي

 

قد يبدو السؤال صادماً للوهلة الأولى، لكنه يكشف في عمقه الفارق بين ما يُقال في الخطابات وما تحكمه خرائط المصالح والتحالفات.

غير أن الأهم من السؤال نفسه أن نتساءل: هل ينسجم هذا التصور مع طبيعة التحالفات الدولية، أم أنه أقرب إلى الأمنيات منه إلى القراءة الواقعية؟

فالسياسة لا تُبنى على الأمنيات وإنما على المصالح. والمصالح الكبرى لا تُدار بردود الأفعال، بل بحسابات دقيقة تتجاوز ما يُقال في المنابر إلى ما يُوقَّع في غرف القرار.

ومع الحديث المتجدد عن احتمال عودة تركيا إلى برنامج طائرات F-35، عاد الحديث أيضاً عن القوة العسكرية التركية وعن دور الرئيس رجب طيب أردوغان في الدفاع عن فلسطين حتى خُيّل للبعض أن امتلاك هذه الطائرات قد يغيّر موازين الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي.

لكن قبل أن ننجرف خلف العناوين، يجدر بنا أن نسأل سؤالاً بسيطاً:

هل تسمح الولايات المتحدة وهي الداعم العسكري والسياسي الأول للكيان المحتل، بأن يتحول أحد أهم أسلحتها الاستراتيجية إلى مصدر تهديد حقيقي له؟

إن الإجابة في جوهرها لا تحتاج إلى كثير من التعقيد، بل يكفي تأمل الواقع المشهود.

فلا ينبغي أن ننخدع بما يُقال في المنابر أو التصريحات أو المنصات الإعلامية، فالعلاقات بين الدول لا تُدار بالعواطف، بل بمنظومة معقدة من المصالح والالتزامات والضمانات والتحالفات.

*فالتحالفات تُقرأ في غرف القرار، لا في حرارة المنابر.*

ومن هنا يغدو الحديث عن صفقة كهذه بوصفها خطراً على دولة الاحتلال أقرب إلى الأمنيات منه إلى القراءة الواقعية.

ومن هذا المدخل يمكن قراءة الخطاب التركي خلال السنوات الماضية.

فلا أحد ينكر أن الرئيس التركي يستخدم لغة مؤثرة في كثير من خطاباته موجّهة إلى العالم الإسلامي، تبدو في ظاهرها حادة، لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق الإعجاب هو:

ماذا صنعت تلك الخطابات في ميزان الوقائع ؟..

فعلى امتداد سنوات كانت غزة تُقصف ويُقتل أهلها ويُهجَّر سكانها وتُدمَّر مستشفياتها وجامعاتها وبنيتها التحتية بينما ظلت موازين القوى على حالها ولم يظهر تحول استراتيجي يفرض على الاحتلال مراجعة حساباته أو يكسر ميزان الردع القائم.

فلا أحد يقلل من قيمة المواقف المبدئية تجاه القضايا العادلة، فهي تحمل دلالاتها السياسية والأخلاقية، لكنها تظل بحاجة إلى أن تُترجم إلى سياسات قادرة على التأثير في موازين القوى، وإلا بقيت في دائرة الخطاب أكثر من دائرة الفعل. فالمعيار الحقيقي ليس قوة العبارات، بل ما تتركه المواقف من أثر في الواقع.

ولعل المقارنة هنا لا تتعلق بالشعارات وحدها، بل بحجم الكلفة التي يتحملها كل طرف مقابل مواقفه المعلنة.

ثم إن تركيا ليست دولة معزولة عن المنظومة الغربية..

فهي عضو في حلف شمال الأطلسي، وترتبط بعلاقات عسكرية واقتصادية واسعة مع الولايات المتحدة، كما أن علاقاتها مع الكيان المحتل لفلسطين، رغم ما مرت به من توترات، لم تنقطع، بل شهدت في مراحل مختلفة مستويات من التعاون وإدامة العلاقات.

وهنا يغدو السؤال مشروعاً:
إذا كانت بنية التحالفات لم تتغير، فكيف يُراد للناس أن يقتنعوا بأن النتائج ستتغير؟..

فالتحالفات لا تُقاس بما يُقال أمام الجماهير، بل بما تُنتجه من مواقف عند لحظات الاختبار.

وفي المقابل، نجد أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، رغم الخلاف حول كثير من سياساتها تحمّلت كلفة سياسية واقتصادية وأمنية باهظة نتيجة مواجهتها الولايات المتحدة ودعمها لفصائل فلسطينية ولبنانية وهو واقع لا يمكن تجاهله سواء اتفق المرء مع إيران أم اختلف معها.

فالسياسة لا تمنح شهادات البطولة على أساس قوة الخطاب، وإنما على أساس حجم الكلفة التي يتحملها كل طرف وما يتركه فعله من أثر في الواقع، لا سيما في وقت يمضي فيه الاحتلال في عدوانه ويواصل تنفيذ مخططات التوسع وقضم الأراضي العربية.

وإذا كانت التجربة الفلسطينية تكشف جانباً من هذه الإشكالية فإن المشهد السوري يطرح أسئلة لا تقل أهمية.

فقد دعمت تركيا أطرافاً من المعارضة السورية انطلاقاً من رؤيتها لمصالحها وأمنها القومي. وما إن تبدّل المشهد، حتى استهدف الكيان المحتل لمرتفعات الجولان مواقع عسكرية ومنشآت استراتيجية داخل سوريا، ووسّع رقعة احتلاله للأراضي السورية.

وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن قراءة هذا التحول في ضوء المواقف التركية المعلنة تجاه قضايا المنطقة؟
وهل تكفي الحسابات السياسية وحدها لتفسير التباين بين الخطاب والنتائج على الأرض؟

لذلك لا تكفي النوايا المعلنة للحكم على السياسات فالمعيار الحقيقي هو ما أفرزته النتائج على الأرض ومن كان المستفيد النهائي من تلك التحولات.

إن طرح هذه الأسئلة لا يعني تبنّي رواية طرف دون آخر، وإنما يعني أن من حق الشعوب أن تقرأ النتائج كما تقرأ الشعارات.

ويبقى السؤال الذي لا مفر منه :
هل ما زالت الأمة تعتقد أن المقدسات المحتلة والأراضي المغتصبة ستتحرر على أيدي أنظمة اختارت بإرادتها أن تكون جزءاً من منظومة دولية تعلن صراحة انحيازها السياسي والعسكري للمحتل؟..

وكيف يُنتظر ممن ترتبط مصالحه وتحالفاته وأمنه بتلك المنظومة أن يخوض معها معركة وجود دفاعاً عن فلسطين؟

إن تحرير الأوطان لا يبدأ بترديد الشعارات، بل يبدأ بوضوح الرؤية والقدرة على التمييز بين من يُحسن الخطاب ومن يغيّر الواقع.

فليست القضية من يتحدث أكثر، بل من يغيّر معادلات الواقع..

فإلى متى تبقى الغشاوة تحجب عن بعض أبناء هذه الأمة قراءة الوقائع كما هي، لا كما يُراد لهم أن يروها؟

وإلى متى يبقى الرهان معقوداً على خطابات تتوهج أمام الكاميرات، بينما تظل موازين السياسة والتحالفات تتحرك في الاتجاه المعاكس؟

إن الشعوب التي تُحسن قراءة التاريخ لا تنخدع ببريق الشعارات، لأنها تدرك أن الأفعال هي التي ترسم المسارات، أما الكلمات، مهما علت نبرتها، فقد تُلهب المشاعر، لكنها لا تُحرر أرضاً ولا تستعيد مقدساً ولا تُسقط مشروعاً استعمارياً ما لم تتحول إلى مواقف تُدفع أثمانها وتُثبت قدرتها على تغيير موازين القوى.

فليست العبرة بمن يملك أعلى صوت، بل بمن يملك إرادة الفعل وقدرة التأثير..

فالتحالفات تُقرأ في غرف القرار، أما التاريخ فلا يكتبه من يرفع الشعارات، وإنما من يصنع التحولات ويدفع ثمن مواقفه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى