صراع العدالة والوجود
الدكتور/ عدنان بن أحمد الأنصاري
محلّل سياسي، ديبلوماسي، وسفير سابق
ستظل فلسطين قضية تتجاوز حدود الجغرافيا لأنها تمثل قضية الإنسان حين يبحث عن وطن وقضية العدالة حين تواجه القوة وقضية التاريخ حين يرفض أن يُكتب بإرادة المنتصر وحده. ومهما طال أمد الصراع فإن التجارب التاريخية تؤكد أن الحقوق قد تتأخر لكنها لا تموت وأن الشعوب التي تحافظ على هويتها وإرادتها تبقى قادرة على صناعة مستقبلها مهما اشتدت عليها المحن وتعاقبت عليها الأزمات.
ففلسطين ليست مجرد عنوان لمعاناة شعب بل هي اختبار مستمر لضمير الإنسانية ولقدرة العالم على تحويل مبادئه المعلنة إلى واقع يحقق الأمن والكرامة والسلام العادل للجميع.
وفي ضوء التحولات الدولية المتسارعة وتغير موازين القوى وتزايد الدعوات العالمية لإصلاح النظام الدولي تبدو القضية الفلسطينية أمام مرحلة مفصلية. فإما أن تكون نقطة انطلاق نحو إعادة الاعتبار للقانون الدولي ومبادئ العدالة وإما أن تبقى نموذجًا لاستمرار الأزمات المفتوحة التي تُضعف الأمن الإقليمي وتستنزف الاستقرار العالمي.
إن استشراف المستقبل يفرض رؤية تتجاوز إدارة الصراع إلى بناء سلام عادل وشامل يقوم على احترام الحقوق المشروعة وصون الكرامة الإنسانية وإنهاء أسباب الاحتقان التاريخي.
فالتنمية لا تزدهر في بيئة يسودها الخوف والاستثمار لا يستقر في ظل النزاعات والأمن الحقيقي لا يتحقق إلا عندما يشعر الإنسان بأن حياته وحقوقه مصونة وفق قواعد عادلة لا تميّز بين شعب وآخر.
لقد عاش الشعب الفلسطيني عقودًا متتالية تحت وطأة الاحتلال والتهجير والحصار والتدمير حتى أصبحت المعاناة جزءًا من تفاصيل حياته اليومية.
إن القضية الفلسطينية تمثل اليوم نموذجًا فريدًا لما يمكن أن يُطلق عليه صراع الإرادات فمن جهة توجد قوة عسكرية متفوقة تسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض ومن جهة أخرى يوجد شعبٌ يرفض أن تتحول القوة إلى مصدر للشرعية ويؤمن بأن الحقوق التاريخية والإنسانية لا تُلغى بمرور الزمن ولا تسقط بتغير موازين القوى.
وهذه المعادلة جعلت الصراع يتجاوز البعد العسكري ليصبح صراعًا على الهوية والرواية والذاكرة والشرعية وهي عناصر أثبت التاريخ أنها أكثر بقاءً من أي تفوق عسكري مؤقت.
ولعل أخطر ما أنتجته سنوات الصراع الطويلة ليس الدمار المادي وحده بل الأثر النفسي والاجتماعي العميق الذي أصاب المجتمع الفلسطيني. فقد أصبح ملايين الفلسطينيين يعيشون تحت ضغطٍ دائم من الخوف وعدم اليقين وفقدان الأمن وغياب الاستقرار وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على التعليم والصحة والنمو الاقتصادي وبناء الإنسان.
إن المجتمعات قد تستطيع إعادة بناء الجسور والطرق والمباني خلال سنوات لكنها تحتاج إلى عقود طويلة لإعادة بناء الإنسان الذي أنهكته الحروب وأثقلته الصدمات وحرمت طفولته من أبسط معاني الأمان.
وفي المقابل فإن استمرار هذه المأساة لم يعد يؤثر في الفلسطينيين وحدهم بل أصبح عاملًا رئيسيًا في تشكيل البيئة الأمنية للشرق الأوسط بأكمله.
فالقضية الفلسطينية بقيت طوال العقود الماضية المحور الأكثر تأثيرًا في طبيعة العلاقات الإقليمية ومصدرًا دائمًا للتوترات السياسية ومحركًا للعديد من الاصطفافات والتحالفات كما أنها أصبحت إحدى القضايا التي تُستحضر كلما تصاعدت الأزمات في المنطقة الأمر الذي يؤكد أن تجاهل جذور المشكلة لا يؤدي إلى إنهائها وإنما يجعلها أكثر تعقيدًا مع مرور الزمن.
ومن الناحية الاستراتيجية فإن استمرار الاحتلال دون أفق سياسي واضح يخلق بيئة خصبة لإعادة إنتاج الأزمات بصورة متكررة لأن الشعوب التي تشعر بأن حقوقها الأساسية لا تجد طريقها إلى العدالة تبقى في حالة بحث دائم عن وسائل جديدة للدفاع عن وجودها.
ولذلك فإن إدارة الأزمة لم تعد كافية بل أصبح المطلوب معالجة أسبابها الحقيقية لأن الأزمات التي تُؤجل لا تختفي وإنما تتراكم حتى تصل إلى مراحل أكثر خطورة وتأثيرًا.
لقد كشفت القضية الفلسطينية عن أزمة أخرى لا تقل أهمية وهي أزمة الثقة في النظام الدولي. فحين يرى الرأي العام العالمي أن المبادئ القانونية والإنسانية تُطبَّق بمعايير مختلفة فإن ذلك يضعف مكانة المؤسسات الدولية ويثير تساؤلات عميقة حول فاعلية القانون الدولي وقدرته على حماية الشعوب الضعيفة.
إن العدالة لا تفقد قيمتها عندما تُنتهك فقط وإنما عندما يشعر الناس بأنها أصبحت انتقائية تخضع لموازين المصالح أكثر مما تخضع لموازين الحق.
إن السلام الحقيقي لا يمكن أن يولد من رحم القوة وحدها لأن القوة قد تفرض واقعًا مؤقتًا لكنها لا تستطيع أن تُنتج استقرارًا دائمًا.
فالسلام المستدام يحتاج إلى عدالة وإلى اعتراف متبادل بالحقوق وإلى معالجة جذور الصراع بدل الاكتفاء بإدارة نتائجه.
وقد أثبتت تجارب التاريخ أن كل تسوية تُبنى على اختلال العدالة تبقى معرضة للانهيار لأن الشعوب قد تصبر طويلًا لكنها لا تتخلى عن حقوقها الأساسية.











