بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

التعاون الدولي وجودة البيانات.. ركيزتان لتعزيز مكانة سلطنة عُمان في المؤشرات البيئية العالمية

رحمة بنت سالم السليمي

خبير في مؤشر الأداء البيئي

 

أصبحت المؤشرات الدولية اليوم إحدى أهم الأدوات التي تقيس أداء الدول في مختلف المجالات، ولم تعد مجرد تصنيفات أو أرقام تُنشر في التقارير العالمية، بل أصبحت مرجعًا يعتمد عليه صناع القرار، والمؤسسات الدولية، والمستثمرون، والباحثون في تقييم كفاءة السياسات وقياس أثرها. ويُعد مؤشر الأداء البيئي (Environmental Performance Index – EPI) من أبرز هذه المؤشرات، نظرًا لاعتماده على منهجيات علمية دقيقة وبيانات تصدر من مؤسسات ومنظمات دولية متخصصة.

تقود هيئة البيئة جهود التنسيق الوطني الخاصة بالمؤشر، من خلال العمل المشترك مع الجهات الحكومية ذات العلاقة، بما يضمن توفير البيانات الوطنية، وتعزيز جودتها، ومتابعة المستجدات المنهجية، وبناء قنوات تواصل فعالة مع الجهات الدولية المقيمة للمؤشر والمؤسسات العالمية المصدرة للبيانات التي يعتمد عليها في احتساب النتائج.

وقد أثبتت التجارب أن تحقيق نتائج متقدمة في المؤشرات الدولية لا يعتمد على تنفيذ المبادرات أو إصدار التشريعات فحسب، وإنما يرتكز على منظومة متكاملة تشمل جودة البيانات، ودقة فهم المنهجيات، والتنسيق المؤسسي، والتواصل المستمر مع الجهات الدولية ذات العلاقة. فالتغيرات التي تطرأ على منهجيات المؤشرات ومصادر البيانات تستدعي متابعة مستمرة لضمان توافق البيانات الوطنية مع المتطلبات الفنية وآليات الاحتساب.

ويعد بناء جسور التواصل مع الجهات المقيمة للمؤشر أحد أهم عوامل النجاح، إذ يتيح فهم التحديثات المنهجية بصورة مباشرة، ومناقشة الجوانب الفنية، والإجابة عن الاستفسارات المتعلقة بالبيانات الوطنية، بما يعزز دقة التقييم ويضمن تمثيل الإنجازات الوطنية بالشكل الصحيح. كما أن التواصل مع المؤسسات العالمية المصدرة للبيانات يسهم في التحقق من جودة البيانات المنشورة، ومعالجة أي ملاحظات أو فجوات قد تؤثر في نتائج الدولة.

وفي المقابل، يشكل التعاون بين المؤسسات الوطنية ركيزة أساسية لنجاح هذا العمل، حيث تعتمد المؤشرات البيئية على بيانات تصدر من جهات متعددة، الأمر الذي يتطلب تنسيقًا مستمرًا، وتبادلًا فعالًا للمعلومات، وتوحيدًا للجهود لضمان توفير بيانات دقيقة وحديثة تعكس الواقع البيئي بصورة موثوقة. كما يسهم هذا التكامل في تعزيز سرعة الاستجابة لمتطلبات الجهات الدولية وتحسين كفاءة إدارة البيانات الوطنية.

ولا تقل أهمية بناء القدرات الوطنية عن بقية عناصر النجاح، إذ يتطلب التعامل مع المؤشرات الدولية وجود كوادر تمتلك المعرفة الكافية بالمنهجيات وآليات احتساب المؤشرات، وقادرة على تحليل نتائجها، واستشراف التغيرات المستقبلية، وتوجيه الجهود والموارد نحو الأولويات التي تحقق أثرًا حقيقيًا في الأداء الوطني.

وقد أسهم النهج القائم على التعاون، والتنسيق، والانفتاح على الخبرات الدولية، في تعزيز حضور سلطنة عُمان في المؤشرات البيئية العالمية، وترسيخ علاقات مهنية مع المؤسسات الدولية المعنية، بما يدعم تبادل المعرفة، ويعزز موثوقية البيانات الوطنية، ويسهم في تحسين جودة التقييم وفق أفضل الممارسات الدولية.

ومع التطور المستمر الذي تشهده المؤشرات العالمية، فإن المحافظة على النتائج الإيجابية والبناء عليها تتطلب استمرار العمل بروح الشراكة بين مختلف الجهات الوطنية، وتعزيز التواصل مع المؤسسات الدولية، والاستثمار في تطوير جودة البيانات وبناء الخبرات الوطنية. فالمؤشرات الدولية ليست غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة لقياس كفاءة الأداء، وتحديد فرص التحسين، ودعم اتخاذ القرار، بما يسهم في تحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040 وتعزيز المكانة الدولية للسلطنة في مجال الاستدامة البيئية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى