
هل الاستقرار التقاعدي ركيزة الأمان الاجتماعي والاستدامة التنموية ؟
سالم بن حمدان السيفي
مما لا شك فيه، أن المجتمعات الحية لا تقاس فقط بجاهزية خططها الاقتصادية، أو بصلابة مؤشراتها المالية، بل بتقييمها لجوهر الإنسان، الذي يمثل المبتدأ والمنتهى في تدوين فصول نهضتها؛ فالعدالة الاجتماعية في عمقها الفلسفي ليست مجرد هبات تمنح، أو تدابير مؤقتة تتخذ، وإنما هي عقد أخلاقي غير مكتوب بين الوطن وأبنائه، يضمن من خلاله ألا يتحول المورد البشري، بعد سنوات عطائه، إلى مجرد رقم متجاوز في معادلات الاستدامة المادية.
وعندما نتوقف لنناقش واقع المتقاعدين، فإننا لا نتحدث عن فئة غادرت ميدان الإنتاج، بل عن ذوات إنسانية صهرت سنوات عمرها في شرايين البناء الوطني، في الوقت الذي يصبح الاستقرار المادي والنفسي لهم، في مرحلة ما بعد الوظيفة، هو المقياس الحقيقي لمدى توازن الرؤى التنموية، وقدرتها على صون كرامة الإنسان، وتأمين أمانه الروحي والمادي قبل كل شيء. كما أن طمأنينة المتقاعد اليوم هي الوقود النفسي الذي يحفز أجيال الشباب الحالية على العطاء؛ فالموظف الذي يرى غده آمناً، يمنح حاضره إبداعاً وإنتاجية بلا حدود، ومظلة الأمان الحقيقية تبدأ من هنا.
وتمثل منظومة الحماية الاجتماعية، وما انبثق عنها من منافع عبر صندوق الأمان الاجتماعي، خطوة وطنية رائدة، وتجسيداً حقيقياً لرؤية الدولة في رعاية مواطنيها، وتأمين العيش الكريم لفئات مستحقة، غير أن القراءة العميقة والمستفيضة للمشهد الاجتماعي والاقتصادي، تستوجب التوقف الطويل أمام شريحة المتقاعدين بكافة فئاتهم العمرية،
والذين يجدون أنفسهم اليوم في مواجهة مباشرة مع التزامات معيشية ضارية، تتسارع معها المتغيرات الاقتصادية، وتتصاعد فيها التكاليف المادية، بشكل يفرض إعادة نظر شامل ومتزن في آليات الدعم والتمكين الموجهة إليهم جميعاً.
بيد أن الاكتفاء بربط بعض منافع الأمان الاجتماعي بعتبة عمرية محددة كسن الستين، وهذا الجانب قد غفل عنه بغير قصد فالمتطلبات الجسيمة لشرائح واسعة من المتقاعدين، كالتقاعد المبكر أو الاضطراري، الذين يعيلون أسراً ممتدة ومركبة، والتي لا تزال التزاماتهم الحياتية في ذروة تصاعدها، وهذا الأمر بحد ذاته يستدعي نظرة شمولية تستوعب المتقاعد كقيمة وطنية ثابتة ومستمرة، بغض النظر عن سنه الرقمي، ناهيك عن ربط منفعة كبار براتب أو دخل شهري لا يتعدى 1250 ريالاً مع تناقص تدريجي في المنفعة لا يتعدى سقف الراتب أو الدخل المذكور؛ دون مراعاة أننا في زمن تتقلب فيه الأسعار بين حين وآخر بسبب ظروف اقتصادية وسياسية وغيرها، وبالتالي فإن دخلاً شهرياً كـ2000 ريال مثلاً بالكاد يكون مناسباً لإعالة أسرة صغيرة العدد في هذا الزمان.
وعند الغوص في تفاصيل الحياة اليومية للمتقاعد، تتكشف مساحة واسعة من التحديات التي تقض مضجعه، وتحرمه من سكينة الاستقرار المادي والنفسي؛ حيث يجد المعاش التقاعدي الثابت نفسه محاصراً بروافد إنفاق متعددة ومستمرة، يأتي على رأسها ملف القروض البنكية، والالتزامات التمويلية السكنية أو الشخصية، التي تم التخطيط لها بناءً على سقف دخل كامل أثناء فترة الخدمة النشطة، ناهيك عن تقلبات السوق وارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة.
ومع هبوط هذا الدخل إلى مستوى المعاش التقاعدي، تلتهم الاستقطاعات المصرفية الجزء الأكبر من هذا المورد، لتترك للمتقاعد هامشاً ضيقاً للغاية للمناورة وتسيير شؤون أسرته.
هذا الهامش الضئيل، مطلوب منه اليوم أن يواجه طفرة الغلاء المعيشي، وأن يغطي فواتير الطاقة، والمياه، والاتصالات المتصاعدة، إلى جانب الوفاء بالمتطلبات الأساسية للتعليم، والرعاية الصحية للأبناء، مما يجعل الحياة اليومية عبارة عن سلسلة متصلة من الضغوط والتدابير المعقدة، التي تستنزف طاقة المتقاعد، وتؤثر مباشرة على استقراره النفسي والأسري.
وقد كانت، ولا تزال، حيوية المجتمع العماني حاضرة عبر سلسلة من الندوات، والنقاشات، والحوارات الوطنية المفتوحة التي تناولت ملف المتقاعدين بكثير من الاهتمام والموضوعية، وهذا الحراك الذي تُرجم بوضوح تحت قبة مجلس الشورى، من خلال الجهود الدؤوبة لأعضائه وطروحاتهم المستمرة في عدة جلسات، والتي ركزت على أهمية الالتفاتة الجادة لهذه الفئة، وخلصت إلى وضع توصيات ومبادرات تشريعية تواكب هذه الحوارات، وتخدم المتقاعد بتوافق تام مع هيكلة الاقتصاد ومتغيراته. وثمة إيمان عميق وراسخ لدينا، بأن الخطط التنموية وبرامج التوازن المالي التي تنتهجها الدولة، تهدف في جوهرها إلى ضمان استدامة الاقتصاد الوطني، وقدرته على مواجهة الأزمات العالمية، ونحن نشد على يد الحكومة ونثمن جهدها.
ومن هذا المنطلق التنموي المتوازن، يتطلع المراقبون والقراء للمشهد المعيشي العام، إلى أن تترجم هذه الحوارات الشاملة إلى مبادرات حكومية عملية ومبتكرة، تتحرك سريعاً على أرض الواقع، من خلال إدراك شامل متكامل، بأن تمكين المتقاعدين مادياً ليس عبئاً على ميزانية الدولة، بل هو ضخ لسيولة نقدية مباشرة في شرايين السوق المحلي، يسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية الداخلية، وتوسيع مظلة الحماية لتشمل برامج دعم نوعية وشاملة لجميع المتقاعدين دون استثناء.
وتأسيساً على ذلك، فإن صياغة الغد الآمن للمتقاعدين لا تكتمل إلا بحزمة من الإجراءات التنفيذية والمقترحات العملية، وفي مقدمتها: إيجاد آلية وطنية مرنة لمراجعة المعاشات التقاعدية بصفة دورية، وربطها بمؤشرات التضخم لامتصاص الصدمات السعرية، وذلك بالتوازي مع إطلاق حوار تنسيقي بين البنك المركزي والمصارف التجارية، لوضع تشريعات تلزم البنوك بإعادة جدولة القروض والتمويلات السكنية والشخصية للمتقاعدين، عبر خفض نسب الفوائد، أو تمديد فترات السداد دون أعباء إضافية ترهق كاهلهم. كما يتطلب الواقع المعيشي اليوم، ابتكار بطاقة دعم خدمية موحدة، تمنح المتقاعدين إعفاءات وتخفيضات جزئية ملموسة، سواء كان ذلك من فواتير الطاقة، والمياه، والخدمات الحكومية الأساسية، جنباً إلى جنب مع بناء شراكات استراتيجية مع القطاع الخاص، لتقديم امتيازات وتسهيلات حقيقية تخفف من كلفة المتطلبات المعيشية اليومية؛
فهذه المنظومة المتكاملة ليست مجرد تدابير اقتصادية عابرة، بل هي ضرورة حتمية لتعزيز الأمن الاجتماعي، ومكافأة وطنية مستحقة لسنوات الخدمة الطويلة التي قدمها المتقاعد، عندما كان في طليعة المساهمين في دفع عجلة تقدم هذا الوطن، وبناء منجزاته، ليغدو الاستقرار المعيشي اليوم ثمرة طبيعية لغرسه الأمس، وينعم براحة البال والسكينة، في وطن ركيزته الوفاء لمن بنوه.











