
رؤية شخصية في ذاكرة المكان (9): حارة الرمل – عبري “العيد وعودة الأحبّة من أعمالهم !!”
أ. عصام بن محمود الرئيسي
كاتب ومؤلف في مجال المراسم وفنون السلوك الراقي
في حارة الرمل، لم يكن العيد ينتظر ثبوت هلاله فقط، بل كان ينتظر شيئًا آخر أكثر دفئًا وأشد وقعًا على القلوب: عودة الأحبّة من أعمالهم. قبل الأعياد بأيام، كانت الحارة تدخل في حالة ترقّب جميلة، كأنها تستعد لاستقبال عرس جماعي.
الأمهات ينظفن عتبات البيوت وتنضحُ الماءَ أكثر من المعتاد، كأنّ البيوتَ تستعدُّ لاستقبال الفرح. والجدّات يجلسن قرب الأبواب بقلوبٍ تسبق خطوات أبنائهن وأحفادهن، والأطفال يملؤهم فضولٌ لا يهدأ.
ولم تكن حارة الرمل وحدها التي تعيش هذا الانتظار؛ فمثلها مثل كثير من الحارات والقرى العمانية التي كانت تترقّب في هذا الوقت عودة أبنائها، فيتحوّل العيد من مجرد مناسبة في التقويم إلى لحظة لقاء دافئة تعود فيها الأرواح إلى بيوتها قبل الأجساد.
كان أبناء الحارة يعملون في أماكن متعددة بطبيعة الحال، غير أن الذاكرة تحتفظ بأن عددًا كبيرًا منهم كانوا يعملون آنذاك في شركات النفط، حيث تمتد مواقع العمل بعيدًا عن الولاية. وكانت إجازاتهم محدودة، كما لم تكن العودة المتكررة ميسّرة بسبب قلة وسائل النقل في ذلك الوقت. لذلك كانت عودتهم في الأعياد حدثًا ينتظره الجميع، يهب الحارة حياةً إضافية ودفئًا خاصًا.
كان الجميع يعرف أن الحافلات المفصلية والقاطرة والمقطورة التابعة لشركات النفط ستصل قريبًا، والتي يقودها عادة سائقين من أبناء الولاية نتذكر بعضهم بالأسماء حتى اليوم، تلك الحافلات الطويلة التي يتوسّطها مفصلٌ مرنٌ مغطّى بطبقةٍ مطاطية، يتمدّد وينكمش بهدوء ليساعدها على الالتفاف في الطرق الضيّقة. وليسمح لها بالانعطاف رغم امتدادها المهيب. وبطبيعة الحال، كانت هناك وسائل عدة لنقل العاملين من تلك الشركات، غير أن الباص المفصلي كان أكثر ما يشدّ انتباهنا، نحن الصغار، ويستوقف أعيننا بضخامته اللافتة.
كانت تُرى من بعيد وهي تشقّ الطريق بهديرٍ عميق، فيتمايل مفصلها الجلديّ كأنه يختزن حكايات السفر والعودة، ويحمل بين ثناياه تعب الصحاري ولهفة اللقاء. وما إن تقترب حتى تخفق القلوب قبل الأقدام، فداخلها آباءٌ وإخوةٌ عادوا من مواقع عملٍ قاسية، وجاؤوا ليكتمل بهم العيد وتكتمل بهم الحارة.
وما إن تلوح تلك الباصات من بعيد حتى يتبدّل وجه الحارة. تصطفّ عند مداخلها في مشهد مهيب، بطولها اللافت وأناقتها التي كانت تأسر عيوننا نحن الصغار. لم تكن مجرد وسيلة نقل، بل كانت بالنسبة لنا سفنًا برية تعيد إلينا آباءنا وإخوتنا وجيراننا. كنا نركض نحوها بلهفة، نتأمل حجمها الضخم ونحاول تخيّل المسافات التي قطعتها حتى تصل إلينا. كان صوت محرّكها أشبه بإعلان رسمي أن الفرح قد بدأ.
على الأبواب، كانت الأمهات والجدّات يقفن بعيون مبللة بالشوق. لم تكن الدموع حزنًا، بل كانت دموع انتظار طويل يوشك أن ينتهي. لحظة نزول أول العائدين من الباص كانت كفيلة بأن تُشعل موجة من المشاعر المتدفقة: عناق طويل، دعوات صادقة، وابتسامات تختلط فيها ملامح التعب بطمأنينة الوصول. كان كل عائد يحمل في ملامحه أثر الصحراء، ووعورة الطريق وفي خطواته شوقًا يُقابل بشوق أكبر.
لم يكن وصولهم عاديًا أو عابرًا، بل كان حدثًا تتوقف عنده تفاصيل الحياة اليومية. فالعيد في حارة الرمل لم يكن يكتمل إلا باجتماع الوجوه التي غابت خلف صخب العمل ومشقة الغربة. كان العيد يبدأ فعليًا منذ أن تطأ أقدامهم أرض الحارة، منذ أول عناق، وأول ضحكة، وأول جملة تُقال بعد غياب.
ومن المشاهد التي لا تُنسى، تلك الصناديق الصغيرة التي كانوا يحملونها معهم. كانت تحتوي على مؤن غذائية بسيطة يتسلّمونها من مواقع عملهم: صابون لحوم معلبة، سكر، حليب مجفف، علب تونة، وبسكويت كنا نسيمه (بسكوت طايره) لا أعرف ما أصل هذا المسمى. لم تكن تلك المواد رفاهية، لكنها كانت تحمل معنى كبيرًا. كان الأب أو الأخ يحتفظ بجزء منها خصيصًا لأسرته يستقطعها من حصته المعيشية في الشركة ، وكأن كل علبة تختزن قصة تعبٍ تحت شمس حارقة، وحكاية صبر في موقع بعيد. كانت تلك الصناديق تصل إلى البيوت كرسائل حب صامتة، تقول: “تعبنا من أجلكم، وعدنا إليكم”.
في عيونهم كانت فرحة اللقاء، وفي أيديهم حرص المعيل الذي لا ينسى مسؤوليته. لم تكن العطاءات تُقاس بكثرتها، بل بقيمتها المعنوية. كان للعطاء آنذاك طعم مختلف، وللبساطة هيبة لا تخطئها القلوب. كنا نتعلّم، دون دروس مباشرة، معنى التضحية والوفاء، ونفهم أن الرجولة ليست في الغياب، بل في العودة محمّلًا بالمسؤولية والمحبة.
أما نحن الأطفال، فكان لنا نصيبٌ آخر من الدهشة. كانت أبواب الباصات تظل مفتوحة لبعض الوقت، فنغتنم الفرصة للدخول إليها. نمشي بين المقاعد المتراصّة، نتحسّس نوافذها العالية، ونتخيّل أنفسنا في رحلة بعيدة عبر الصحراء. وكان بعض تلك الباصات يُوقَف لأيامٍ في الشارع الترابي المواجه للحارة، فيما ينتظر بعضها الآخر انتهاء إجازة العيد ليعود بالعاملين إلى شركاتهم من جديد. كان حجمها من الداخل يزيدنا انبهارًا، وكأننا دخلنا عالمًا آخر. تلك اللحظات الصغيرة كانت تترك في ذاكرتنا أثرًا لا يُمحى، وتمنحنا إحساسًا بأن العالم أكبر مما نظن، وأن وراء هذه الحارة البسيطة حكاياتٍ ومسافاتٍ شاسعة.
لم تكن العودة مجرد تنقل من مكان إلى آخر، بل كانت طقسًا اجتماعيًا يعيد للحارة صوتها المكتمل. تعود الحكايات المسائية، ويزداد دفء المجالس، وتمتلئ الأزقة بالحركة والضحكات. كانت الحارة، بعودة أبنائها، تستعيد توازنها وروحها.
هكذا كانت فرحة العيد تبدأ من أول الطريق، من هدير باص طويل يقترب ومن ناقلة ركاب تمشي بكل شموخ على الشارع الترابي، ومن قلب يخفق انتظارًا. كانت عودة الغائبين هي العيد الحقيقي، وما سواها تفاصيل تكتمل بها الصورة فقط.
وعلى الخير نلتقي، وبالوفاء نرتقي …











