بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

حين لا يُرى الجميع .. لا ينجح أحد

خالـصـة الـصـلـتـية

لا يكون السقوط فجأة، بل سلسلة قرارات لم تُراجع. تبدأ صغيرة، ثم تتكرر حتى تصبح نمطا مألوفا، ومع الوقت، لا يُلاحظ الخلل لأنه أصبح جزءا من المشهد.
في بعض مؤسسات المجتمع المدني ، يمكن ملاحظة ممارسات لا تنسجم تماما مع جوهر العمل المؤسسي، حيث لا يرتبط التراجع دائما بقلة الموارد أو محدودية الإمكانات، بقدر ما يرتبط بأساليب الإدارة وطبيعة القيادة. فالمؤسسات لا تُبنى بالأنظمة وحدها، بل بوعي قيادي قادر على تحقيق العدالة، واستثمار الطاقات، وبناء فرق متماسكة.
غير أن الخلل يظهر حين تُدار المؤسسات بمعايير غير واضحة، وتُمنح المواقع القيادية دون اعتبار كاف للكفاءة والخبرة. عندها لا يكون الأثر فوريا، بل يتسلل بهدوء إلى تفاصيل العمل، حتى تصبح بعض الممارسات غير المهنية نمطا معتادا، ويُعاد تشكيل بيئة العمل على أسس غير متوازنة.
ليست القيادة مجرد إدارة للمهام، بل مسؤولية تقوم على القدرة على رؤية الجميع، وتقدير الجهود، وإتاحة الفرص بشكل عادل. لكن حين تضعف هذه الرؤية، تظهر ممارسات انتقائية، يُرى فيها البعض ويُغفل آخرون، دون مبررات واضحة أو معايير منضبطة.
وفي بعض الحالات، لا تقف المشكلة عند حدود الانتقائية، بل تمتد إلى تضييق دائرة العمل لتشمل من يشبهون القيادة في النهج والمستوى، لا من يكملونها بالكفاءة والخبرة. فتُفضّل بيئات متشابهة، محدودة التحدي، على حساب التنوع الذي يثري العمل ويرفع جودته.
وهنا يطرح تساؤل مشروع: هل يُقصى أصحاب الكفاءة لأنهم يصعب احتواؤهم ضمن نمط إداري محدود، أم لأن وجودهم يكشف فجوات لا يراد لها أن تُرى؟ أم أن المسألة أبعد من ذلك، وتتعلق بالخوف من المنافسة، لا بضبط بيئة العمل؟
في كل الأحوال، فإن النتيجة واحدة: تضييق المساحة أمام الكفاءات، وإضعاف قدرة المؤسسة على التطور، وتحويلها تدريجيا إلى بيئة مريحة لمن يديرها، لا بيئة منتجة لمن ينتمي إليها.
وهنا يبرز الخلل الحقيقي، حين تتحول العدالة إلى اجتهاد، والمشاركة إلى اختيار، والانتماء إلى مساحة غير متكافئة.
فالأصل في أي عمل جماعي أن يقوم على الشمول لا الانتقاء، وأن تُبنى القرارات على معايير واضحة لا على تقديرات فردية. فلا يصح أن يُقرب من يُرى، ويُغفل من لا يظهر، بينما القيمة الحقيقية لا تُقاس بالظهور، بل بما يقدمه الفرد من أثر.
حين لا يُرى الجميع، يختل التوازن.
تُقدّر بعض الجهود، وتُهمّش أخرى،
ويفقد الفريق إحساسه بالعدالة، حتى وإن استمر العمل في ظاهره.
هذا النمط لا يهدم المؤسسات مباشرة، لكنه يضعفها تدريجيا.
تتراجع المبادرات، تقل الحماسة، ويتحول العمل من مساحة انتماء إلى مجرد التزام.
ولا يقف الأثر عند حدود الأداء، بل يمتد إلى استمرارية العضوية. فالفرد الذي لا يجد التقدير أو الفرصة العادلة للمشاركة، قد يختار الانسحاب بصمت، فتفقد المؤسسة طاقات كان يمكن أن تسهم في تطويرها.
ومع تكرار هذه الممارسات، تتشكل ثقافة غير مكتوبة، تُختزل فيها المشاركة في دائرة ضيقة، وتُقاس فيها القيمة بالقرب لا بالعطاء، ويصبح الانتماء مشروطا… لا حقا طبيعيا.
كما أن ضعف الخبرة القيادية لا يظهر فقط في التعامل مع الأفراد، بل في غياب الرؤية. فالمؤسسات التي تدار بردود الأفعال، لا تتمكن من بناء مسار مستدام، وتكتفي أحيانا بتكرار الأنشطة دون تطوير حقيقي في أثرها.
وفي ظل ذلك، قد تبدو الإنجازات قائمة، لكنها تظل محدودة التأثير إذا لم تُبنَ على رؤية واضحة ومنهج متكامل.
ومن المؤكد أنه في ظل هذه الممارسات، فإن أي قراءة لمؤشرات العضوية قد تعكس تراجعا في مستوى التفاعل أو الاستمرارية، وهو ما يستدعي الوقوف عنده بوصفه مؤشرا مهما على جودة البيئة التنظيمية.
وهنا يبرز تساؤل مهم: لماذا لا يتم تبني إطار واضح لقياس أداء المؤسسات وقياداتها؟ ولماذا لا توجد مؤشرات متابعة دورية تقيس مستوى العدالة في المشاركة، ورضا الأعضاء، وجودة البيئة الداخلية؟
إن تطوير العمل المؤسسي يتطلب أدوات تقييم واضحة، من أبرزها:
•استبيانات دورية لقياس رضا الأعضاء
•مؤشرات لقياس مستوى التفاعل واستدامة العضوية
•تقييم دوري للأداء القيادي بناء على معايير واضحة
•آليات تعزز العدالة في توزيع الفرص
•تقارير تقيس الأثر الفعلي لا مجرد عدد الأنشطة
فالتقييم لا يعد أداة رقابية فقط، بل وسيلة تطوير تضمن استدامة المؤسسات، وتحافظ على توازنها، وتعزز ثقة أعضائها بها.
أما حين تغيب هذه الرؤية، فإن المؤسسة قد تستمر شكلا، لكنها تفقد تدريجيا قدرتها على التأثير.
ختاماً..
تقاس المؤسسات الحقيقية بما تغيّره لا بما تعلنه. وفي هذا الإطار؛ يبرز الدور المحوري لوزارة التنمية في تعزيز حوكمة العمل المؤسسي؛ من خلال وضع أطر واضحة لقياس أداء الجمعيات ومجالس إداراتها، وتبني مؤشرات تعكس جودة القيادة، وعدالة المشاركة، ومستوى رضا الأعضاء. كما أن تفعيل أدوات التقييم الدورية، وبناء منظومة متابعة قائمة على الشفافية، من شأنه أن يسهم في كشف مكامن الخلل مبكرا، ودعم مسارات التصحيح والتطوير، بما يضمن استدامة هذه المؤسسات وتحقيق أثرها الحقيقي في المجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى