
تولستوية السلام .. تشوهات حرب وأنموذجية أخلاقية !
الكاتبة اللبنانية نرجس البزال
ليست عظمة “الحرب والسلام” في أنها دوّنت وقائع حملة نابليون على روسيا، ولا في أنها حفظت للأرستقراطية الروسية أسماءها وطقوسها وقصورها، بل في أنها فعلت ما هو أعمق من التاريخ وأبقى من الحدث: لقد أمسكت الإنسان من قلب ارتباكه، ووضعته عاريًا أمام نفسه.
لا بوصفه بطلًا كما تحبّ الملاحم أن تصوّره، ولا بوصفه ضحيةً فحسب، بل بوصفه ذلك الكائن المعلّق بين هشاشته وتوهّمه، بين رغبته في المعنى وسهولة انكساره، بين حنينه إلى السلام واستعداده العجيب لصناعة الحرب.
حين نقرأ تولستوي اليوم، لا نشعر أننا نقرأ القرن التاسع عشر، بل نشعر أن القرن كله يقرأنا. كأن الرواية لم تُكتب عن روسيا القيصرية بقدر ما كُتبت عن هذا الكائن الذي لم يتغيّر رغم تغيّر الأزمنة: الإنسان، كلّما لبس ثوب الحداثة، خرجت من داخله بدائيةٌ أقدم من الحديد، بدائيةُ السيطرة، وبدائيةُ الخوف، وبدائيةُ الحاجة إلى عدوٍّ يعلّق عليه قبحه الداخلي.
هنا تحديدًا تصبح “الحرب والسلام” أكثر من رواية ،تصبح كتابًا في تشريح الروح البشرية حين تُلقى في أتون التاريخ.
الحرب في الأدب العظيم ليست دباباتٍ ومدافع فقط . الحرب تبدأ قبل انفجار القذيفة بزمنٍ طويل. تبدأ في الفكرة التي تبيح سحق الآخر، في اللغة التي تُهذّب الجريمة فتسميها “ضرورة” وحق الدفاع الاستباقي كمن يعاقب على الظن والشبهة .. الحرب تبدأ حين يقتنع الإنسان أن الخراب يمكن أن يكون مشروعًا عقلانيًا، وأن الموتى يمكن اختصارهم في ترند خبري أو معلومة ممررة بعناية احترافية بين مئات الاسطر العابرة .
لم يصنع من الأمير أندريه بولكونسكي فارسًا نقيًّا يُصفّق له القارئ، بل كشفه وهو يركض نحو المجد كما يركض العطشان نحو السراب. كان الأمير أندريه يطلب المعركة لا لأنه يحبّ الحرب، بل لأنه كان يظن أن علوّ الاسم يسدّ النقص القديم في الروح.
كمأساة علية الإنسان عبر الازمنة : أنه يخلط بين الارتفاع والامتلاء، بين الصعود الخارجي ونجاة الداخل. يظن أن المجد دواء، وأن التصفيق يرمّم الكسور الخفية، ثم يكتشف متأخرًا أن القلب لا يشفى بما يلمع حوله، بل بما يهدأ فيه.
أليس هذا ما يفعله عالمنا اليوم، على نطاقٍ أشد فظاعة؟ دولٌ تبحث عن مجدها في خرائط الآخرين، قادةٌ يظنون أن التاريخ سيكتب أسماءهم بحبر النصر فيما هو يكتبها بدم الأبرياء، وجيوشٌ تتقدم نحو الخراب ثم تسميه “استعادة هيبة”.
في الجهة الأخرى، يقف بيزوخوف، لا كبطلٍ روائي فقط، بل كإنسانٍ تائه في ركام العالم، يطلب معنى أكثر مما يطلب نجاة. وكم يشبهنا بيزو اليوم. كم يشبه كل واحدٍ فينا وهو يحاول أن يفهم كيف صار العالم بهذه القسوة التي جعلته ينام جوار المجازر ثم يستيقظ ليشرب قهوته بادرا .
بيير يمثل ارتباكنا الأخلاقي كله. هو سؤالنا المفتوح في وجه العالم: ماذا نفعل بهذا الخراب؟ كيف نحيا ونرى؟
كيف نواصل الحياة من غير أن نصير أقل إنسانية؟
العالم اليوم ليس “في أزمة” كما تحب العبارات السياسية أن تقول ببرود. ولا حالة حرب بل في عري اخلاقي وانكشافٍ زيف مرعب. الحروب لم تعد أحداثًا استثنائية، صارت مناخًا.
نتحدث كثيرًا عن إعادة إعمار المدن، ونادراً ما نتحدث عن إعادة إعمار الإنسان. نبني الجدران، ونترك النفوس مثقوبة. نحصي الخسائر بالأرقام، ولا نحصي ما انكسر في اللغة، وفي الثقة، وفي معنى العدالة، وفي صورة الإنسان الحي !
الحروب تفسد الحسّ الأخلاقي، تجعل الإنسان يعتاد ما لا يجب اعتياده، يمرّ بجانب المأساة من غير أن ترتجف روحه، ويعامل الكارثة كأنها روتين عالمي. حتى اصبحنا بحاجة الى الادب العظيم كضرورة أخلاقية لا ترفًا ثقافيًا.
في نهاية المطاف، لا يبقى من الحرب ما يظنه المنتصرون باقياً. لا يبقى هدير الجيوش، ولا انتفاخ الخطابات، ولا زهو الأباطرة.
الإنسان: في صمته بعد الخراب، في ندوبه التي لا يراها أحد، في طريقته المتعبة في حمل الحياة من جديد، حين يكتشف أنه، رغم كل شيء، لم يفقد نفسه كاملة. ان يجيد على طول التاريخ اعادة وعيه وكتابة تاريخه بحثا عن مجد يحيه !












