الإنسان أعظم ثروة للأمم
الدكتور/ عدنان بن أحمد الأنصاري
ديبلوماسي، وسفير سابق، ومحلّل سياسي
ولأن المجتمعات هي أساس قوة الدول فإن نجاح أي مشروع للتعافي يبدأ من الإنسان.
فالبيوت يمكن أن تُبنى من جديد والطرق يمكن أن تُعبد مرة أخرى والموانئ يمكن أن تستأنف عملها لكن المجتمع الذي يفقد روح التكافل يفقد أعظم عناصر بقائه.
ومن هنا فإن أجمل ما يميز المجتمعات الخليجية هو ما عُرف عنها عبر تاريخها من النخوة والمروءة والإيثار وسرعة الاستجابة لنجدة الملهوف وإغاثة المنكوب والوقوف مع الأشقاء في ساعات المحن.
وهذه القيم ليست مجرد إرث اجتماعي بل تمثل رأس مال استراتيجياً لا يقل أهمية عن الثروات الطبيعية أو الإمكانات الاقتصادية.
واليوم تستطيع دول مجلس التعاون الخليجي أن تقدم للعالم نموذجاً حضارياً جديداً يثبت أن التكافل بين الأشقاء قادر على مواجهة الأعاصير والكوارث الطبيعية كما هو قادر على التخفيف من آثار الحروب والأزمات الإقليمية وأن الإنسان الخليجي بما يحمله من قيم أصيلة هو الثروة الحقيقية التي تُبنى بها الأوطان.
في الخامس من يونيو عام 1947 أعلن وزير الخارجية الأمريكي جورج مارشال من جامعة هارفارد المبادرة التاريخية التي عُرفت لاحقًا بمشروع مارشال والتي شكّلت نقطة تحول في إعادة إعمار أوروبا بعد الدمار الهائل الذي خلّفته الحرب العالمية الثانية مؤكدًا أن إعادة بناء الإنسان والمجتمع لا تقل أهمية عن إعادة بناء المدن والبنية الأساسية.
ولم يكن ذلك الإعلان مجرد برنامج اقتصادي لتقديم مساعدات مالية بل كان تحولاً استراتيجياً في الفكر السياسي الدولي إذ أدرك صانع القرار الأمريكي أن الأمم لا تنهض بإزالة الأنقاض وحدها وإنما بإحياء روح الإنسان واستعادة ثقته وتحريك عجلة الاقتصاد وترميم النسيج الاجتماعي الذي مزقته الحرب.
لقد كان مشروع مارشال إعلاناً بأن الاستثمار في الإنسان هو أعظم استثمار في الأمن والاستقرار والسلام.
لقد خرجت أوروبا آنذاك قارةً مدمرة مدنها ركام واقتصاداتها منهارة وملايين البشر يعيشون بين الجوع والبرد والخوف.
وكان من الممكن أن يتحول ذلك الدمار إلى فوضى طويلة الأمد لولا وجود رؤية استراتيجية أدركت أن إعادة الإعمار ليست عملية هندسية فحسب بل مشروع حضاري يعيد بناء المجتمع قبل أن يعيد بناء الحجر.
واليوم وبعد ما يقارب ثمانية عقود يقف العالم أمام تحديات لا تقل تعقيداً وإن اختلفت أدواتها. فالأعاصير والفيضانات والأنواء المناخية والكوارث الطبيعية أصبحت أكثر تكراراً وشدة في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة والعالم حروباً إقليمية واضطرابات جيوسياسية وانقطاعات في سلاسل الإمداد وتقلبات في أسواق الطاقة والغذاء وما يصاحب ذلك من ضغوط اقتصادية وإنسانية متزايدة.
إن هذه التحديات تؤكد أن مفهوم الأمن لم يعد يقتصر على حماية الحدود بل أصبح يشمل أمن الإنسان وأمن الغذاء وأمن الطاقة وأمن الصحة وأمن البنية التحتية وأمن المجتمع.
ولذلك فإن مواجهة الكوارث الطبيعية والحروب الإقليمية لم تعد مسؤولية دولة واحدة بل مسؤولية جماعية تتطلب أعلى درجات التنسيق والتكامل والتضامن.
لقد أثبتت التجارب أن الكوارث لا تعترف بالحدود السياسية كما أن آثار الحروب لا تتوقف عند خطوط التماس وإنما تمتد إلى الاقتصاد والتجارة والموانئ وسلاسل الإمداد وأسواق الغذاء والطاقة وحركة السكان والاستقرار الاجتماعي.
ولهذا فإن أفضل استجابة لهذه التحديات هي الانتقال من مفهوم المساندة الطارئة إلى مفهوم التضامن الاستراتيجي.
إن كل مبلغ يُبذل لإغاثة المنكوبين وكل طائرة تحمل المساعدات وكل فريق إنقاذ يعبر الحدود وكل مستشفى يستقبل المصابين وكل شركة تشارك في إعادة الإعمار لا يقدم خدمة إنسانية فحسب بل يسهم في تعزيز الأمن الإقليمي وترسيخ الثقة بين الشعوب وبناء رصيد استراتيجي من التضامن يبقى أثره لعقود طويلة.
ومن هنا فإن الحاجة اليوم أصبحت أكثر إلحاحاً للتفكير في إطلاق مشروع مارشال خليجي يستلهم الدروس التاريخية لمشروع مارشال لكنه ينطلق من خصوصية المنطقة الخليجية.
ولا يقتصر هذا المشروع على تقديم المساعدات العاجلة بل يشمل إنشاء صندوق خليجي دائم لإعادة الإعمار والتعافي وقوة خليجية موحدة للاستجابة السريعة للكوارث ومراكز مشتركة لإدارة الأزمات ومخزوناً استراتيجياً للغذاء والدواء والمعدات وآليات متقدمة للتنسيق اللوجستي والهندسي والطبي بما يجعل دول المجلس أكثر قدرة على مواجهة الأعاصير والكوارث الطبيعية وكذلك الحد من التداعيات الإنسانية والاقتصادية للحروب والأزمات الإقليمية.
إن مثل هذا المشروع لن يكون مجرد مبادرة مالية بل سيشكل تحولاً استراتيجياً في مفهوم العمل الخليجي المشترك ويؤكد أن التضامن بين الأشقاء ليس ترفاً سياسياً بل ركيزة من ركائز الأمن القومي الخليجي وأحد أهم عناصر الاستقرار والتنمية المستدامة.











