
وقفة بين نبل الهوية ونزق الرقمنة
سالم بن حمدان السيفي
مما لا شك فيه أن فلسفة الوجود الرقمي تبدأ من اللحظة التي يفقد فيها الإنسان اتصاله بالواقع المادي الملموس لينغمس في واقع افتراضي مفرط يصنع وعياً جمعياً زائفاً، حيث تتحول الذات الإنسانية في هذا الفضاء من كينونة أخلاقية واعية ومسؤولة إلى مجرد مستهلك ومنتج لصور ذهنية سريعة الزوال.
إن هذا التحول يعكس مأزق مجتمع الاستعراض المعاصر، فلم يعد الوجود البشري قائماً على التفاعل الحقيقي والإنتاج الفكري الرصين، بل تحول أولاً إلى رغبة محمومة في الاستهلاك، لينتهي به المطاف في العصر الرقمي إلى مجرد سعي متواصل للظهور والاستعراض البصري، حيث تصنع الشاشة إنساناً ذا بعد واحد يقتات على وهم الحضور والانتشار اللحظي.
هذا التحول الفلسفي في بنية الإدراك الإنساني يجعل من القيم الأصيلة عرضة للتآكل المستمر، إذ تتبدل الهويات من عمق قيمي رصين يُعاش بالصمت والوقار والعمل الحثيث، لتصبح مجرد سلعة استعراضية تتلاعب بها خوارزميات المنصات، ليغدو الرأي العام ساحة مناداة ومزايدة تحركها عقول هزيلة تتناسى وجود أطر تشريعية وقانونية وضعت أساساً لتنظيم هذا الفضاء وحماية المجتمع من الانزلاق نحو الفوضى الفكرية.
وهنا يبرز التباين الحاد بين نبل الهوية الأصيلة ونزق الرقمنة المعاصرة، فالشخصية العُمانية التي صُقلت عبر التاريخ بخصائص الهدوء والتسامح والترفع عن الصغائر تجد نفسها اليوم أمام تحدي تحويل منابر القيم الراسخة إلى ساحات للمزايدات الوطنية الجوفاء. ولعل في الحادثة الأخيرة التي تصدرت المنصات الافتراضية بشأن الفتاة الوافدة وزوجها خير شاهد على هذا التشوه، إذ تحولت قضية فردية كان من الواجب تركها لسيادة القانون والجهات القضائية المعنية لتأخذ مجراها الطبيعي بحياد، فتحولت إلى بضاعة رخيصة تبارت في تداولها الحناجر المتعطشة لحصد تعاطف الجماهير ورفع إحصاءات المشاهدة اليومية. إن هذا السلوك يعري جانباً من سيكولوجية الجماهير الافتراضية وسلوكيات التجييش الرقمي، حيث يبحث الفرد من خلال شاشته الصامتة عن فرصة لتمثيل دور القاضي الأخلاقي والمصلح الاجتماعي، ممارساً سلطة وهمية ومحاكمات شعبوية لتعويض فقر التأثير الحقيقي في الواقع، في سلوك يتنافى كلياً مع مبادئ الستر والرفق والعدالة الأخلاقية التي جُبل عليها هذا المجتمع المعطاء.
هذا السلوك الاستعراضي يقود مباشرة إلى تأمل مخاطر النعرات الافتراضية وتشويه الصورة الجمالية للهوية الوطنية، حيث يرتدي البعض عباءة الدفاع عن الوطن والغيرة على مكتسباته لبث خطاب إقصائي مشحون يسيء لقيم المجتمع الإنسانية أكثر مما يهذبها أو يحميها. فالوطنية الحقة لا تتجلى أبداً في التشهير بالآخرين ومحاكمتهم شعبوياً خلف الشاشات لإشباع رغبة الظهور والتميز الزائف، بل تكمن في صون السمعة الطيبة للبلد والالتزام بالاتزان الفكري والسلوكي، وتحويل الانتماء إلى قوة بناء معرفي وأخلاقي تتجنب الانجرار وراء شهوة الإثارة الرقمية التي تقتات على تتبع العثرات وتضخيم الهوامش على حساب الثوابت الحقيقية.
وإن المساس بالسمت العُماني الأصيل وتأجيج النعرات ضد الآخر ليس مجرد زلة سلوكية عابرة، بل هو تهديد مباشر للأمن المجتمعي وقوة الدولة الناعمة، فالتسامح والوئام العُماني تاريخياً لم يكن ترفاً أخلاقياً، بل كان وما زال ركيزة استراتيجية يقوم عليها استقرار المجتمع وتماسكه وتصاغ بموجبها مكانته الدولية المرموقة.
ويستوجب الاتزان الفكري هنا إرساء قواعد التفريق بين السلوك الفردي والجمع الأخلاقي لتجنب تجريم الثقافات بسبب زلات الأفراد، إذ لا يمكن لعقل ناضج أن يقع في فخ تعميم الخطأ الفردي ليصم به جنسية أو بلداً بأكمله، أو يعقد مقارنات جائرة بين أشخاص جُبلوا على الأصالة والتربية الرصينة وآخرين لم يتعلموا بعد ألف باء احترام الذات والآخر.
فعُمان كانت ولاتزال واحة أمان وأرض خصبة لا تنبت إلا طيباً، وتاريخها يشهد أنها لم تكن يوماً مقصلة لبتر الهويات الأخرى أو تقليم الثقافات الوافدة إليها، بل هي مظلة حضارية استوعبت الجميع في إطار من التعايش، حيث وضع المشرّع فيها قوانين ونظماً تحترمها الفطرة الإنسانية السوية قبل أن يفرضها الضبط القضائي والتشريع القانوني، مما يجعل من الالتزام بهذه الأطر واجباً أخلاقياً تمليه المروءة وقيم التعايش الإنساني النبيل قبل الخوف من العقاب والملاحقة القانونية.
وفي ظل هذا التيه الرقمي المتسارع، يتجلى دور المشرع وجهات الاختصاص كضرورة قصوى لفرض التوازن الأخلاقي وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، فالقوانين والتشريعات التي تنظم التعامل مع الفضاء الرقمي لم توضع يوماً لتقييد الآراء بل لحماية النواة الأخلاقية للمجتمع وصون كرامة أفراده من الانتهاك والتكسب الرخيص.
وتفعيل هذه الأدوات القانونية بحزم ومسؤولية ضد كل من يسعى لتوظيف القضايا المجتمعية أو الفردية لإثارة الرأي العام هو السبيل الوحيد لفلترة هذا النزق الرقمي والحد من الخروج عن المألوف، فالقانون في جوهره ليس إلا صياغة مدنية لقيم أخلاقية اتفقت الجماعة على منحها قوة الإلزام والضبط لضمان بقاء الفضاء الافتراضي أداة للتطور والارتقاء الإنساني وليس معولاً لتشويه المبادئ أو هدم التماسك الاجتماعي والأخلاقي الذي تميزت به عُمان على مر العصور.











