بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

زارعو الورد في مواسم الانتظار

ياسمين عبدالمحسن إبراهيم

مديرة تطوير الأعمال – شركة رواق الابتكار

 

 

إلى أولئك الذين يزرعون الورد في غير أوانه، وينتظرون أن يزهر في غير موسمه؛ إنها خطيئة القلوب الطيبة التي تفيض بأملٍ مندفع، مشكلة هذا الأمل أنه يولد حماسيًا مع بداية كل تجربة، يرى الفكرة حقيقة تتنفس، والحلم واقعًا ملموسًا، وفي غمرة هذا الاندفاع، نمسك بفرشاة الخيال لنلون الأشخاص بغير ألوانهم الحقيقية، فنمنحهم كمالًا لا يملكونه، وقوةً لم تُخلق فيهم، وحين ينجلي غبار الحماس، نجد أنفسنا عالقين في محطة انتظارٍ لقطارٍ لن يمر؛ ننتظر أحلامًا لم تكتمل وأشخاصًا لن يأتوا، لأننا بكل بساطة.. عالقون في شباك الأمل الزائف.

فخ العجز المكتسب ودائرة الأمل..

ولكن، هل يعني هذا أن نكف عن الإيمان والمحاولة؟

يخبرنا دكتور مارتن سليجمان، مؤسس علم النفس الإيجابي، في كتابه “The Circuit of Hope” عن فخٍ نفسي يُسمى “The Learned Helplessness” أو العجز المكتسب؛ حيث تؤدي الخيبات المتكررة والشعور بانعدام السيطرة إلى استسلامٍ تام، فيتوقف الإنسان عن المحاولة حتى وإن لاحت له فرصة حقيقية للنجاح.

غير أن سليجمان لا يتركنا في تلك المتاهة، بل يمنحنا طوق النجاة عبر ما أسماه «دائرة الأمل»، السر كله يكمن في طريقة تفسيرك للعقبة حين تعترض طريقك: هل هي نهاية الطريق أم مشكلة مؤقتة؟ هذا التفسير الذي يختاره عقلك بوعي أو دون وعي هو الذي يحدد مشاعرك، ومشاعرك هي التي تقود أفعالك، وأفعالك تصنع النتائج التي تعزز إيمانك بنفسك وبقدرتك على التأثير في المستقبل؛ فيزداد الأمل أو ينقص بناءً على تلك الرؤية الأولى.

فن الاختيار بوعي..

إذًا القضية ليست في اغتيال الأمل أو التوقف عن السعي، بل في إدارته بوعي ونضج أن تختار بحكمة، وتطرح على نفسك أسئلة تبدو بسيطة ولكنها قد تستنزف أعمارنا لنتقن إجاباتها: متى تحاول؟ ومع من تحاول؟ وفي أي اتجاه تخطو؟ وبأي قدر وأي سرعة تسير؟ أسئلة إجاباتها تحميك من هدر مشاعرك في الفراغ.

همسة ختامية ملهمة..

تذكر دائمًا مع كل دائرة أمل جديدة، أن الأمل الحقيقي ليس تخديرًا للذات بأن كل شيء سيكون على ما يرام تلقائيًا، بل هو اقتناعٌ عميق وثقة بأن ما تفعله «الآن» قادرٌ على صنع فارقٍ حقيقي فيما سيأتي، هذا الإدراك الهادئ يجعلك تختار خطواتك الحالية بعناية فائقة، فلا تشتت قلبك في أرض قاحلة لا تنبت الود.

نصيحة عمليّة وُدِّيَّة وسهلة التطبيق..

قبل أن تزرع بذرة أمل جديدة في علاقة، أو مشروع، أو فكرة؛ قف لمدة دقيقة واحدة فقط؛ خذ نفسًا عميقًا، واسأل نفسك بصدق: «هل هذه التربة صالحة للزراعة في هذا الوقت، أم أنني ألوّن الواقع بألوان خيالي؟».

هذه الدقيقة القصيرة من التوقف والصدق مع الذات ستوفر عليك سنوات من الانتظار العبثي، وتوجه طاقتك الثمينة نحو أراضٍ خصبة تستحق أن تزهر فيها ورودك في موسمها الصحيح الحقيقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى