بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

هل يبتلع الفضاء الرقمي ضمائرنا ؟!

الدكتورة/ شيرين أسعد إبراهيم

متخصصة فى فلسفة الفكر القديم والوسيط ، وفلسفة الأخلاق

 

هل تذكر آخر مرة تصفحت فيها هاتفك اليوم؟
قرأت خبراً عاجلاً، تفاعلت مع منشور لصديق، أو ربما علقت على قضية تشغل الرأي العام.

في كل نقرة على شاشاتنا الزجاجية الصغيرة، نحن لا نستهلك تكنولوجيا فحسب، بل نعيش داخل “عالم بديل” بات يغير ببطء، ومن حيث لا ندري، منظومة قيمنا ومبادئنا الإنسانية التي نشأنا عليها.

​لقد غادرنا الفضاء الواقعي بأقدامنا لنعيش بـ “عقولنا وأرواحنا” داخل الفضاء الرقمي.
هذا التحول الضخم يضعنا أمام سؤال مصيري: هل أفسد الإنترنت أخلاقنا، أم أنه فتح لنا آفاقاً جديدة لنكون أكثر إنسانية؟.

​الجانب المضيء فى الأمر أن العالم أصبح قرية واحدة للتضامن: فإذا نظرنا إلى النصف الممتلئ من الكأس، سنجد أن الإنترنت قدم للبشرية خدمات جليلة أحيت قيماً كادت تندثر. فاليوم، لم تعد المعرفة حكراً على الأغنياء أو النخب؛ أي شاب في قرية صغيرة يمكنه تعلم أرقى العلوم مجاناً عبر منصات التعليم المفتوح، وهو ما يمثل أسمى صور “العدالة المعرفية”.

​علاوة على ذلك، أثبتت المنصات الرقمية أنها ساحة هائلة للتضامن الإنساني العابر للقارات. عندما تقع كارثة طبيعية أو إنسانية في أقصى الأرض، نرى ملايين البشر يتداعون للمساعدة، ويتعاطفون بصدق، ويجمعون التبرعات في دقائق معدودة.

هذا الوعي الجماعي يثبت أن “الأمل الرقمي” حقيقة، وأن التكنولوجيا يمكن أن تكون جسراً عظيماً لتقريب القلوب وتعميق الروابط البشرية.

تحول العالم بفضل الإنترنت من قارات متباعدة إلى “قرية عالمية” تنبض بالتعاطف والتضامن المشترك.
لم يعد يفصل بين الإنسان وأخيه الإنسان في أقصى الأرض سوى شاشة صغيرة وكبسة زر.

إليك كيف ساهمت الشبكة العنكبوتية في جعل التضامن الإنساني عابرًا للحدود :

1- إلغاء المسافات والزمن (الاستجابة الفورية) :

في الماضي، كانت أخبار الكوارث أو الأزمات تستغرق أيامًا أو أسابيع لتصل إلى بقية العالم.
اليوم، وبفضل وسائل التواصل الاجتماعي، ينقل الضحايا أو شهود العيان الحدث “بثًا مباشرًا وبصورة لحظية”.

هذا التدفق الفوري للمعلومات يولد استجابة عاطفية وإنسانية سريعة تنعكس على شكل حملات إغاثة تنطلق في غضون دقائق.

2- عولمة التعاطف والأزمات المشتركة :

جعل الإنترنت القضايا المحلية قضايا عالمية من خلال “الهاشتاغات” والحملات الرقمية، يستطيع ملايين البشر من ثقافات وخلفيات مختلفة التجمع خلف راية واحدة لدعم قضية معينة (مثل التوعية بمرض ما، أو حملات التضامن مع لاجئي الحروب).

3- منصات التمويل الجماعي :

تحولت المساعدات المالية من قنواتها التقليدية البطيئة (كالمؤسسات الضخمة والمعاملات البنكية المعقدة) إلى مسارات مباشرة وسريعة بفضل منصات أو تظبيقات التبرع الرقمى.
حيث أصبح بإمكان أي شخص في العالم المساهمة بمبلغ بسيط (ولو دولار واحد) لإنقاذ حياة شخص آخر، أو إعادة إعمار منزل، أو تمويل علاج طبي في قارة أخرى.

4 – حشد المتطوعين ومشاركة المعرفة :

لم يعد التضامن مقتصرًا على المال فقط، بل امتد ليشمل :
– الجهد والمعرفة : مثل التعليم المفتوح؛ تضامن العلماء والمعلمون لتقديم كورسات مجانية لمن لا يملكون ثمن التعليم.
– المجتمعات المفتوحة المصدر : حيث يتعاون المبرمجين حول العالم لتطوير برمجيات مجانية تخدم التعليم أو الرعاية الصحية.
– الترجمة التطوعية : لكسر حاجز اللغة وإيصال استغاثات الشعوب المنكوبة إلى المنظمات الدولية.

5 – الضغط الشعبي الرقمي وحملات التوعية :

تمكن سكان “القرية الواحدة” من تشكيل رأي عام عالمي يضغط على الحكومات والشركات الكبرى لتغيير سياساتها، سواء لحماية البيئة، أو لوقف الحروب، أو لتقديم مساعدات إنسانية عاجل من خلال العرائض الإلكترونية.

الإنترنت وفرت “البنية الأساسية” والاتصال، لكن “الإنسانية المشتركة” هي التي ملأت هذه القنوات بالتضامن.

لقد جعلتنا الإنترنت ندرك أننا جميعًا نتشارك نفس الكوكب، وأن ألم أي فرد في هذه “القرية” هو ألم يمس الجميع.

أما الوجه المظلم خلف الشاشة الكاذب للعالم الرقمى يكمن في :

“غياب الجسد”والتخفى وراء أسماء مستعارة أو صور وهمية..
هذا التخفي يمنح البعض شعوراً زائفاً بالحرية من أي رقابة، مما أدى إلى انفجار ظواهر مرعبة مثل التنمر الرقمي، وخطاب الكراهية، والاندفاع نحو تجريح الآخرين دون رادع من ضمير أو حياء، فالشاشة أصبحت عازلاً يُنسي الإنسان ألم الضحية في الطرف الآخر.

و​الأخطر من ذلك هو ما يُعرف بـ “رأسمالية المراقبة”.. إن شركات التكنولوجيا الكبرى لا تقدم لنا خدماتها مجاناً؛ المقابل هو “نحن”. لقد تحولت مشاعرنا، أفكارنا، واهتماماتنا إلى مجرد بيانات تُباع وتُشترى لتوجيه الإعلانات.

هذا “التسليع” للإنسان يفرغ وجودنا من قيمته السامية ويحولنا إلى مجرد أرقام ونقرات في حسابات الأرباح.

كما أن خوارزميات هذه المواقع تعزلنا داخل “فقاعات مغلقة”، فلا تظهر لنا إلا الآراء التي تشبهنا، مما يقتل بالتدريج قيمة التسامح وقبول الاختلاف، ويجعل مجتمعاتنا أكثر استقطاباً وعدائية.

​الحل يكمن فى التحول نحو “مواطنة رقمية” واعية :

“الإنترنت لا يصنع أخلاقنا، بل يكشفها .. وخلف الأسماء المستعارة تظهر المعادن الحقيقية للبشر”.

​إننا لا نطالب بمقاطعة التكنولوجيا، فهذا ضرب من المستحيل، ولكننا بحاجة ماسة إلى ما يمكن تسميته “المواطنة الرقمية الأخلاقية”.

نحن بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد، وأخلاقيات نابعة من داخلنا؛ أي من “الضمير الرقمي”.

​يجب أن ندرك أن الكلمة خلف الشاشة لها نفس أثر الكلمة في الواقع، وأن جرح مشاعر الآخرين “إلكترونياً” هو خطيئة إنسانية كاملة الأركان.

ففى العالم الواقعى يمنعنا حياؤنا ورؤيتنا لألم الضحية من التمادي في الأذى، أما خلف الشاشة، نحن نطلق الكلمة المسمومة ثم نغلق الهاتف، لا نرى الدموع التى انهمرت، ولا نبضات القلب التى تسارعت، ولا النوم الذى طار من عينى الضحية.

غياب رؤيتنا للأثر لا يعنى أن الأثر لم يحدث؛ بل يعنى أننا سلبنا الضحية حتى حقها فى إظهار ألمها أمامنا!.

البعض يظن خطأً أن الخطيئة تحتاج إلى يد تبطش أو قدم تسعى إليها. لكن فى العصر الرقمى، ضغطة زر واحدة بـ”إصبع السبابة” كفيلة بهدم حياة إنسان.

الخطيئة الإلكترونية كاملة الأركان لأنها تعتمد على “التعمد والوعي” فالإنسان يكتب، ويدقق، ثم يضغط “إرسال” وهو بكامل إرادته.

إن “الضمير” لا يتجزأ، ومن كان يرى فى قذف المحصنات، أو الغيبة، أو التنابز بالألقاب خطايا فى المسجد أو الشارع، عليه أن يدرك أن ارتكابها بلوحة المفاتيح “الكيبورد” لا يسقط عنها صفتها الأخلاقية، بل يضاعف وزرها لسرعة انتشارها.

كما يجب علينا السعي نحو “الأصالة”، بأن تكون شخصياتنا الرقمية مرآة صادقة لشخصياتنا الحقيقية دون زيف أو استعراض فضيلة كاذب.

​كل ذلك يمكن إذا ما استطعنا ضخ الروح في عروق الآلة، إن التكنولوجيا في حد ذاتها جماد لا يملك قلباً ولا عاطفة، والخوارزميات مصممة لجمع الأموال لا لنشر الفضيلة.
لذلك، يبقى العبء الأخلاقي كاملاً على عاتقنا نحن البشر.

التحدي الأكبر في عصرنا ليس كيف نطور الذكاء الاصطناعي، بل كيف نحمي “الذكاء الأخلاقي والإنساني” داخلنا.

إننا بحاجة إلى ثورة تعليمية وتربوية تزرع في نفوس أطفالنا قيم التعامل الرقمي، وصياغة مواثيق أخلاقية عالمية تحمي الإنسان من تغوّل الآلة .. لكي نبقى بشرًا، حتى ونحن نعيش خلف الشاشات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى