بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

ترشيد الرياضة من أجل مستقبل أفضل

المستشار نعمان عبد الغني
namanea@gmail.com

 

 

تسعى المجتمعات المختلفة إلى رعاية الناشئة، والعمل على إعدادهم وتنمية قدراتهم البدنية والذهنية، انطلاقًا من الحكمة الشهيرة: «العقل السليم في الجسم السليم». ونظرًا لأهمية هذا الملف وحساسيته، فقد تبنته الدول وأشرفت على تسييره وتمويله، فظهرت المنافسات المحلية، وانتظمت الدورات والملتقيات الأولمبية والدولية، لتكون حافزًا للدول في سبيل تحقيق الإنجازات الرياضية. ومن أبرز مظاهر المكانة التي تحتلها الرياضة اقترانها برموز السيادة الوطنية، وهو ما يتجلى في رفع الأعلام وعزف الأناشيد الوطنية قبل المنافسات وبعدها، وأثناء مراسم تتويج الفائزين بالميداليات والكؤوس.

وتقف وراء هذه الإنجازات منظومة متكاملة من العوامل والشروط، يأتي في مقدمتها الموارد المالية التي تمثل الشريان الحيوي للحركة الرياضية. فالممارسة الرياضية تحتاج إلى ميزانيات معتبرة لتغطية تكاليف التجهيز والتأطير والتكوين، وإجراء البحوث والدراسات، وتنظيم التظاهرات، وتوفير الحوافز والتكريمات. وتخضع هذه النفقات لأحكام قانونية وتنظيمية دقيقة، وفق بنود ومواد محددة، تدعمها الوثائق والسجلات والفواتير والكشوفات التي تثبت مشروعية الإنفاق، وتزكيها التقارير الرقابية والمستندات الفنية التي يحرص على إعدادها مختلف الفاعلين في القطاع الرياضي، من رؤساء الأندية والجمعيات، والإداريين، والممونين، والمقاولين، وغيرهم. كما تؤطرها آجال قانونية ومواسم رياضية تنتهي بانتهائها المسؤوليات، لتبدأ مسؤوليات جديدة تواصل مسيرة البناء والعطاء، وتحفظ تاريخ الرجال والنساء الذين خدموا الرياضة بإخلاص وتفانٍ، فتخلد أسماءهم متاحف الأندية والجمعيات، وتتناقل الأجيال سيرتهم، لتظل شعلة الرياضة متقدة تنير طريق الناشئين والناشئات، والأشبال والشبلات، في ظل رعاية تربوية وأخلاقية مستمرة.

إن الرياضة استثمار بشري وحضاري لا يجوز أن يتعرض للإفلاس، ولا أن يتحول إلى وسيلة لتبديد المال العام، لأن ذلك يؤدي إلى هدر الطاقات البشرية والقدرات الذهنية والبدنية للشباب، ويكرس ثقافة الفساد وسوء التسيير التي تنخر جسد الحركة الرياضية. وما تعيشه بعض الولايات، رغم ما تزخر به من طاقات شبانية واعدة، خير دليل على ذلك، فقد أثبت كثير من الرياضيين كفاءاتهم وتميزهم عندما أتيحت لهم الفرصة، بفضل جهود بعض المخلصين الذين آمنوا بقيمة العمل والعرق الرياضي، وضحوا من أجل رفع راية الرياضة. غير أن هذه النجاحات الفردية لم تكن كافية لتحريك إرادة حقيقية لدعم هذه المواهب، التي انطفأ كثير منها بسبب لامبالاة بعض المسؤولين، وتشكيك الفاشلين، وتآمر الانتهازيين.

وأمام هذا الواقع المؤلم، يردد البعض سؤالًا: «أين ذهبت المليارات؟»، بينما يبقى السؤال الأهم: «أين كانت المعايير؟» عند صرف تلك الأموال؟ وعلى أي أسس مُنحت؟ ولمن أُسندت المسؤوليات؟ وما مدى الالتزام بالضوابط الأخلاقية والفنية والقانونية؟ وهل فُعّلت آليات الرقابة والمحاسبة بحق من أساءوا تسيير المال العام، وحولوا الرياضة إلى وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية بدل خدمة الشباب والمجتمع؟

إن ترشيد الرياضة لا يعني التقشف أو تقليص الإنفاق، وإنما يعني حسن التخطيط، وشفافية التسيير، وربط التمويل بالنتائج، وتوجيه الموارد نحو الاستثمار الحقيقي في الإنسان والمنشآت والبرامج الرياضية. كما يعني محاربة الفساد، وتعزيز مبادئ الحوكمة الرشيدة، وترسيخ قيم النزاهة والكفاءة وتكافؤ الفرص، حتى تبقى الرياضة مدرسة للأخلاق، ورافدًا للتنمية، وجسرًا للتواصل بين الشعوب، ووسيلة لبناء أجيال سليمة بدنيًا وفكريًا ووطنيًا.

إن مستقبل الرياضة مرهون بقدرتنا على ترشيد إدارتها، وصيانة مواردها، وإبعادها عن مظاهر العبث والفساد، لتبقى رسالة إنسانية سامية، تسهم في بناء مجتمع قوي، وشباب واعٍ، ووطن يفتخر بأبطاله وإنجازاته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى