
آسيا الوسطى الجديدة في رؤية الرئيس الأوزبكي.. نحو مستقبل واثق
أصـــداء/ وكالة الأنباء الأوزبكية
في السنوات الأخيرة، وخاصة في عام 2025، وصلت آسيا الوسطى إلى مرحلة نوعية جديدة تماماً في نظام العلاقات الدولية. في سياق المنافسة الجيوسياسية المتزايدة وأزمة الثقة المتفاقمة في النظام العالمي، فإن تقارب الدول الإقليمية، وسياستها الخارجية القائمة على التعاون العملي، والنهوض بالمصالح الاستراتيجية المشتركة، كلها أمور تجذب انتباه المجتمع الدولي.
بناءً على آراء الخبير سيف الدين جوراييف حول المحتوى والأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية للسياسة الخارجية لأوزبكستان، ولا سيما مفهوم “آسيا الوسطى الجديدة”.
– حاول الخبير شرح دور المبادرات التي طرحها الرئيس شوكت ميرزيوييف بشكل شامل في تعزيز الاستقرار الإقليمي، وخلق جو من الثقة، وتشكيل آسيا الوسطى ككيان مستقل ومسؤول في السياسة العالمية.
من المعلوم أن آسيا الوسطى حظيت بأولوية قصوى في سياق السياسة الخارجية لأوزبكستان وحماية مصالحها في الأنظمة الدولية. وفي هذا السياق، حظيت مقالة شوكت ميرزيوييف الاستراتيجية التحليلية بعنوان “آسيا الوسطى على أعتاب عهد جديد”، التي نُشرت للجمهور عام 2025، باهتمام عالمي واسع، وبرزت كمصدر فكري هام.
بشكل عام، تظهر الأفكار والآراء والمبادرات الاستراتيجية التي يطرحها رئيس الدولة بشأن الوضع الراهن وآفاق آسيا الوسطى الجديدة كنقاط محورية منهجية.
تستند الرؤى المفاهيمية للرئيس إلى نهج منهجي، وتتيح إجراء تقييم استراتيجي للوضع الدولي، وتحديد المهام ذات الأولوية التي تواجه دول المنطقة، والإنجازات الاستراتيجية لمجلس رؤساء الدول الاستشاري، وفهم الواقع السياسي الجديد الذي تشكل في المنطقة. كما أنها تعكس جوانب جديدة وتوجهات واعدة للتطوير المؤسسي للمجلس الاستشاري.
يتميز تحليل العمليات الجديدة في العلاقات الدولية والسياسة العالمية، والنهج المطروحة بشأن تأثيرها على آسيا الوسطى، باستنتاجاته التحليلية الممتازة. يكشف رئيس الدولة جوهر عملية التحول الجارية في العالم، ويشرح تأثيرها على المنطقة من خلال أمثلة ملموسة.
يتم التأكيد بشكل خاص على دور وأهمية منصة الاجتماعات التشاورية في هذه العملية، مع الإشارة إلى أنها تم تشكيلها كمنتدى رئيسي للحوار من أجل تطوير نهج مشترك للتطورات الحالية والقضايا الاستراتيجية ذات الصلة بالمستقبل.
شكّل هذا النموذج، الذي أُطلق عام 2017، نقطة تحوّل في تاريخ التعاون الإقليمي. فللمرة الأولى، بدأ القادة الإقليميون حواراً منتظماً ومنهجياً دون وسطاء خارجيين. وهكذا، تشكّلت منصة سياسية جديدة، قائمة على الثقة والانفتاح وفهم المصالح المشتركة.
من خلال الحوار في شكل اجتماعات تشاورية تم حل عدد من الخلافات من الحقبة القديمة، وتم اتخاذ خطوة من انعدام الثقة إلى التعاون الحقيقي.
على وجه الخصوص، تم حلّ قضايا الحدود بين الدول بشكل نهائي، وتحسين الإجراءات الحدودية، وظهور اتجاهات جديدة في مجال الأمن الإقليمي. وشهدت قطاعات المياه والطاقة، فضلاً عن المجال الإنساني، تغييرات إيجابية ملحوظة.
إن تطور الأحداث، وظهور مجموعة واسعة من المهام والقضايا على جدول الأعمال، والحاجة إلى تنفيذ مبادرات جديدة، كلها عوامل جعلت مسألة التأسيس المؤسسي ذات أهمية بطبيعة الحال.
لقد تشكل واقع اقتصادي جديد في المنطقة: الناتج المحلي الإجمالي للدول ينمو، والتجارة الخارجية تتوسع، والتعاون الصناعي يتطور، وتظهر أشكال جديدة من التعاون الإنتاجي.
يتجلى إنشاء أشكال جديدة من التعاون الإنتاجي في التطوير النشط للمشاريع القائمة على الاستثمار المشترك، والمناطق التجارية العابرة للحدود التي تخدم تنمية الأعمال، ومراكز التعاون الصناعي الدولي.
على مدى السنوات الثماني الماضية، نما الناتج المحلي الإجمالي لدول آسيا الوسطى بنحو مرتين ونصف، ليصل إلى 520 مليار دولار، وتضاعف حجم التجارة الخارجية إلى أكثر من الضعف، ليصل إلى 253 مليار دولار، كما تضاعف حجم التجارة المتبادلة، ليصل إلى نحو 11 مليار دولار. وزاد الاستثمار المتبادل أيضاً بمقدار 5.6 أضعاف.
في القطاع الصناعي، تشهد دول آسيا الوسطى نمواً مطرداً بمعدل 6% سنوياً، أي ما يقارب ضعف معدل النمو العالمي. ويعود هذا الإنجاز إلى استحداث أشكال جديدة من التعاون الإنتاجي، وتنفيذ مشاريع استثمارية مشتركة، وتوسيع نطاق التعاون في قطاعات السيارات والهندسة الكهربائية والنسيج والزراعة.
أشار الرئيس إلى أن خطة العمل لتطوير التعاون الصناعي للفترة 2025-2027، التي أقرتها دول المنطقة، باتت أداةً مهمةً لتعميق التعاون. وتعمل المناطق التجارية العابرة للحدود ومراكز التعاون الصناعي الدولي بنشاط، مما يخدم تنمية الشركات الصغيرة والمتوسطة.
في السنوات الأخيرة، ساهم تكثيف الزيارات المتبادلة وتوسيع التعاون المشترك في مجالات العلوم والثقافة والتعليم والرياضة والرعاية الصحية، فضلاً عن الحوار بين النساء والشباب، في تشكيل واقع إنساني جديد.
في المجال الإنساني، شهدت العلاقات تعزيزاً مطرداً في السنوات الأخيرة. فقد تم تأسيس حوار القيادة النسائية في آسيا الوسطى ومنصة الشباب، ومنذ عام 2022، تُعقد منتديات لرؤساء الجامعات والعلماء. كما تُنظم بانتظام فعاليات ثقافية ومعارض وحفلات موسيقية ورياضية مشتركة منذ سنوات.
إن الشعوب الشقيقة تلمس هذه التغيرات الإيجابية بشكل مباشر في حياتها اليومية. فقد أتاح افتتاح المعابر الحدودية الجديدة، وإنشاء خطوط النقل الجوي والسكك الحديدية والحافلات، زيادةً كبيرة في السفر المتبادل، وتوسيعاً ملحوظاً للروابط الثقافية والإنسانية. وقد تجاوزت نسبة السياحة الإقليمية الداخلية 80% من إجمالي التدفق السياحي لدول المنطقة.
يتبلور اتجاه جديد للهوية الإقليمية ويتطور باستمرار، حيث تتشكل هوية إقليمية جديدة لآسيا الوسطى تدريجياً. من الضروري إدراك هذه الجوانب، وفي الوقت نفسه فهم الترابط الوثيق بين تاريخ الشعوب وثقافتها ومصيرها المشترك. ففي نهاية المطاف، يتعزز الشعور بالانتماء إلى فضاء إقليمي واحد قائم على مبدأ حسن الجوار، ومبدأ “نجاح أي طرف هو نجاح للجميع”.
وأشار الزعيم الأوزبكي إلى أن كل دولة من دول آسيا الوسطى تقدم مساهمة جديرة بالثناء في استقرار وازدهار المنطقة من خلال جهودها لتطوير الاقتصاد، وتعزيز الثقة المتبادلة، وتوسيع التعاون الإقليمي.
تختار آسيا الوسطى الجديدة طريق السلام والتنمية المستدامة والشراكة البنّاءة، وتبني جسور الثقة والتعاون المتبادل بين دولها. وبفضل التكامل الإقليمي، باتت آسيا الوسطى اليوم تُعتبر طرفاً مستقلاً ومسؤولاً في العلاقات الدولية، وتتمتع برؤية واضحة لمصالحها ومسارها التنموي.
تُعد صيغ التعاون “آسيا الوسطى بلس” انعكاساً لمكانة المنطقة المتنامية ككيان قانوني دولي، وتُظهر اعترافها بدورها كمركز مهم للاستقرار والتنمية.
اليوم، تعمل الدول الرائدة في العالم وجمعيات التكامل على تطوير العلاقات مع آسيا الوسطى كشريك إقليمي متكامل.
هذا مؤشر على أن علاقات المنطقة مع الشركاء الخارجيين قد بلغت مستوى جديداً. لقد ساهم انفتاح آسيا الوسطى على العالم، وشفافية نواياها، واستعدادها للحوار، في إرساء أساس متين لنظرة جديدة للمنطقة على الساحة الدولية.
يوجد حاليًا أكثر من اثني عشر منتدى ضمن مبادرة “آسيا الوسطى بلس”، تربط بين دول ومنظمات رائدة في العالم. ويؤكد عقد قمم “آسيا الوسطى – الاتحاد الأوروبي”، و”آسيا الوسطى – الصين”، و”آسيا الوسطى – روسيا”، و”آسيا الوسطى – الولايات المتحدة الأمريكية” هذا العام وحده، النفوذ المتزايد والأهمية الاستراتيجية للمنطقة في السياسة العالمية.
الأهداف والمبادرات الاستراتيجية
تم تشكيل آلية حوار وتعاون متعددة الأطراف، وهي في تطور مستمر بين دول المنطقة. وفي إطار هذه الآلية، يجري تفعيل التعاون لإيجاد حلول مشتركة للتحديات الإقليمية الرئيسية، مثل تغير المناخ، والتحول في قطاع الطاقة، وضمان الأمن المائي والغذائي، وتطوير التقنيات الرقمية.
إن الشراكة القائمة على المسؤولية والثقة المتبادلة والرؤية المشتركة للمستقبل تضع على جدول الأعمال مهمة تطوير مناهج استراتيجية جديدة وتحديد مسارات التنمية المستقبلية للمنطقة. أي أن الحاجة إلى إيجاد إجابات مشتركة لسؤال اتجاه ووتيرة التنمية في آسيا الوسطى خلال العقود القادمة أصبحت أكثر إلحاحاً.
أكد رئيس الدولة على ضرورة أن يقوم تطوير التعاون بين الدول على أساس متين قائم على مبادئ السيادة والمساواة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. كما أشار إلى أنه لا ينبغي لأحد فرض نماذج أجنبية على دول المنطقة، ولا ينبغي إنشاء مؤسسات تتجاوز صلاحيات الهياكل الوطنية. وعلى هذا الأساس، تم التأكيد على أن التعاون المتبادل يجب أن يكون طوعياً وعملياً، ويهدف إلى تحقيق نتائج تعود بالنفع الحقيقي على شعوب الدول.
أكد الرئيس أن المنطقة تواجه مهام بالغة الأهمية، وأن استقرار ووتيرة تنمية آسيا الوسطى يعتمدان على الحل الفعال لهذه القضايا، وطرح مبادرات تعاون استراتيجية وشاملة جديدة.
أولاً، من الضروري مواصلة تعميق التعاون الإقليمي، وتعزيز الآليات القائمة، وتحقيق الاستدامة، واكتساب محتوى عملي واضح.
ثانيًا، من المهم بناء قدرة مشتركة لمواجهة التهديدات والمخاطر في المجال الأمني. ومن الضروري مواصلة الاجتماعات الدورية لأمناء مجالس الأمن، ورؤساء الأجهزة الأمنية، وهيئات الدفاع وإنفاذ القانون. وينبغي أن يبقى مبدأ “وحدة الأمن” المبدأ الأساسي. وفي الوقت نفسه، ينبغي ربط التعاون الإقليمي ارتباطًا وثيقًا بالآليات الدولية القائمة، وتعزيز الاستقرار، وزيادة القدرة على مواجهة طيف واسع من التهديدات التي تواجه أمن الدول والمنطقة ككل.
ثالثًا، في المجال الاقتصادي، من المهم تطوير التجارة البينية الإقليمية، وتبسيط إجراءات عبور الحدود، وتهيئة الظروف المواتية للاستثمار المتبادل. ومن الضروري تكثيف التعاون الصناعي، وتشكيل سلاسل إمداد إقليمية وبين إقليمية، وتطوير مناطق التجارة الحدودية، وتوسيع شبكة ممرات النقل والاقتصاد، وتعزيز المشاريع المشتركة في مجالات النقل والطاقة والزراعة والاقتصاد الرقمي.
ينبغي إيلاء اهتمام خاص للجانب البيئي للتعاون – الجهود المشتركة للتكيف مع تغير المناخ، والحفاظ على موارد المياه العابرة للحدود والتنوع البيولوجي، والانتقال إلى الطاقة “الخضراء” والتقنيات منخفضة الكربون.
رابعاً، يظل التعاون الإنساني أولوية. ويُعدّ تنمية رأس المال البشري، وتعزيز الروابط التعليمية والعلمية والثقافية من المهام الأساسية. كما أن إنشاء فضاء معلوماتي مشترك، وتحسين جودة التعليم والرعاية الصحية، وتطوير برامج مشتركة في المجال الاجتماعي ككل، بما في ذلك السياحة والشباب، أمورٌ بالغة الأهمية.
خامساً، من المهم تطوير مناهج منسقة للسياسة الخارجية بين دول آسيا الوسطى. وينبغي مواصلة تطوير صيغ “آسيا الوسطى بلس”، التي أثبتت فعاليتها في إقامة علاقات براغماتية مع الشركاء الرئيسيين.
ووفقاً للاستنتاج النهائي للرئيس، فإن العمليات الجارية في المنطقة تُظهر أن بناء آسيا الوسطى الجديدة المستقرة والمزدهرة هو خيار واعٍ ولا رجعة فيه.
لا يتطلب هذا المسار جهودًا مشتركة فحسب، بل يتطلب أيضًا استعدادًا لتحمل مسؤولية مستقبل مشترك. وفي هذه العملية، ومن خلال توحيد الجهود واستغلال الفرص، وحلّ المهام المشتركة، نقدم للمجتمع الدولي نموذجا خاصا للتعاون السلمي والبناء القائم على الثقة وحسن الجوار والدعم المتبادل، والذي أثبت جدارته عبر الزمن. وفي هذا الصدد، أكد رئيس الدولة على أهمية الحفاظ على هذا الزخم التاريخي، الذي يُسهم في تحويل آسيا الوسطى إلى فضاء واحد للسلام والازدهار والتنمية لجميع الأمم والشعوب التي تعيش في المنطقة.














