
الإنسان أولا .. حين يصبح السلوك قضية وطن
خالـصـة الصـلـتـية
لم يعد السلوك الإنساني تفصيلا اجتماعيا هامشيا، ولا شأنا أخلاقيا يترك لوعظ المنابر أو لاجتهاد الأسر وحدها، بل غدا مرآة دقيقة تعكس صحة المجتمع، ومؤشرا لافتا على تماسكه أو تصدعه. ومن هنا يكتسب توجيه جلالة السلطان هيثم بن طارق، حفظه الله، بدراسة وتشخيص المتغيرات السلوكية، والعمل على وضع سياسات وآليات عمل واضحة ومحوكمة، دلالته العميقة، بوصفه انتقالا واعيا من منطق رد الفعل إلى الفعل الاستباقي، ومن المعالجة الجزئية إلى المقاربة الوطنية الشاملة، بوصفه رسالة وعي عميقة تعيد وضع الإنسان في قلب المشروع الوطني، وتؤكد أن أمن المجتمع لا يقاس بما يشاد من حدود، بل بما يصان من وعي وقيم وسلوك.
إن جوهر هذا التوجيه لا يتمثل في رصد الظواهر السلوكية بحد ذاتها، بل في الاعتراف الصريح بأن الإنسان هو محور التنمية وغايتها، وأن أي اختلال في منظومة القيم لا يقل خطورة عن الاختلالات الاقتصادية أو الإدارية. فالدولة التي تشيد الطرق ولا تحمي الوعي، وتبني المؤسسات دون أن تصون السلوك، إنما تترك أخطر خاصراتها مكشوفة.
لقد فرضت منصات التواصل الاجتماعي واقعا جديدا، لم يعد فيه السلوك نتاج الأسرة والمدرسة فقط، بل حصيلة تدفقات هائلة من المحتوى والصور واللغة والنماذج السلوكية المستوردة، التي تبث بلا سياق ثقافي واضح ولا مساءلة مجتمعية كافية. وفي هذا الفضاء المفتوح تتآكل الحدود بين الحرية والفوضى، وبين التعبير والمسؤولية، وبين الرأي والتأثير غير المباشر، حتى بات من الصعب التمييز بين ما هو تعبير مشروع، وما هو تطبيع مع سلوكيات دخيلة على منظومة القيم.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من خطاب الإدانة إلى منهج التشخيص. فالسلوك لا يصلح بالتجريم وحده، ولا يقوّم بالخوف، بل بالفهم العميق لأسبابه، وبناء سياسات ذكية تعالج الجذور قبل النتائج، وتوازن بين حماية القيم وصون الحريات، دون أن تنزلق إلى الوصاية أو التفلت. ويقتضي هذا المسار إطارا وطنيا واضحا للسلوك الرقمي يعيد تعريف المسؤولية في الفضاء الإلكتروني، ويستند إلى أدوات رصد وتحليل تضيء لصانع القرار مسارات التأثير الحقيقي.
إن القراءة النقدية لهذا التوجيه تكشف أنه لا يستهدف منصات التواصل بذاتها، بقدر ما يلفت الانتباه إلى غياب الأطر الناظمة للسلوك داخلها، وترك المجال واسعا أمام التأثير السلبي ليملأ فراغا قيميا وثقافيا لم يحصن بعد بالوعي الكافي. فالمشكلة ليست في التقنية، بل في طريقة إدارتها، وفي غياب مشروع وطني متكامل يعيد التوازن بين سرعة المنصات وعمق القيم.
وإذا كان بناء الإنسان أولوية وطنية، فإن حماية منظومة القيم لا تتحقق بالشعارات ولا بالحملات الارتجالية، بل بسياسات محوكمة تبدأ من التعليم، وتمر بالإعلام، وتستند إلى خطاب ثقافي صادق، وتشرك الأسرة والمؤسسات وصناع المحتوى في مسؤولية جماعية لا تقبل التجزئة. فالتعليم مطالب بإدماج الوعي القيمي الرقمي بوصفه مهارة حياة، والإعلام مدعو إلى استعادة دوره في صناعة المعنى لا ملاحقة الابتذال، والمجتمع مطالب بإنتاج بدائله الإيجابية بدل الاكتفاء برفض ما يزعجه.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو تطبيع السلوك المنحرف بوصفه حرية شخصية، أو تبرير الانفلات القيمي بذريعة مواكبة العصر. فالأمم لا تنهار دفعة واحدة، بل تتآكل ببطء حين تفقد بوصلتها الأخلاقية، وتستبدل القيم بالترند، والمعنى بالانتشار، والمسؤولية بالسطحية.
إنها لحظة مراجعة عميقة، إما أن نحسن إدارة هذا الفضاء الرقمي ونحوله إلى مساحة بناء تعزز الوعي والسلوك الإيجابي، وإما أن نتركه يعيد تشكيل قيمنا وسلوكياتنا دون وعي، حتى نصحو يوما على مجتمع يتغير شكله، بينما يتآكل جوهره تدريجيا.












