بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

المنهج التدريبي في قطاع الناشئين بين الطموح والمواءمة الواقعية

 محمد بكر

 

يشكّل قطاع الناشئين في أي منظومة كروية القاعدة الاستراتيجية التي يُبنى عليها المستقبل التنافسي للأندية والمنتخبات ، وفي ظل الحراك التطويري الذي تشهده كرة القدم في سلطنة عُمان، يبرز سؤال جوهري: هل تتماشى المناهج التدريبية المطبّقة في فرق الشباب والناشئين مع الواقع الفعلي للاعب العُماني ومستوى المنافسة المحلية؟

من حيث المبدأ، لا خلاف على أهمية امتلاك منهج تدريبي واضح المعالم، قائم على رؤية فنية حديثة. غير أن الإشكالية لا تكمن في وجود المنهج، بل في مدى مواءمته للبيئة التي يُطبّق فيها. فالتطوير لا يتحقق باستنساخ نماذج خارجية ناجحة دون تحليل عميق للفروق في البنية البدنية، والإعداد القاعدي، والإيقاع التنافسي، والثقافة الكروية العامة. في المراحل السنية المبكرة، الأولوية الفنية يجب أن تُمنح لتثبيت الأساسيات و جودة اللمسة الأولى، اتخاذ القرار، القراءة التكتيكية المبسطة، والقدرة على التكيف مع ضغط المباراة.

وعندما يتجاوز المنهج التدريبي هذه المرحلة التأسيسية إلى تطبيقات تكتيكية معقدة دون اكتمال البناء القاعدي، تظهر فجوة واضحة بين الأداء في الحصة التدريبية والأداء في المنافسة الرسمية. هذه الفجوة لا تنعكس فقط على النتائج، بل تمتد إلى الجانب النفسي للاعب ، فالتكرار المستمر لمحاولات تنفيذ أفكار لا تتناسب مع مرحلته العمرية أو مستوى المنافسة قد يؤدي إلى تآكل الثقة، وإضعاف الشخصية التنافسية، وهي عناصر جوهرية في تكوين لاعب المستقبل.

كما أن نجاح أي منهج تدريبي في قطاع الناشئين ينبغي أن يُقاس بمخرجاته طويلة المدى، لا بمؤشرات شكلية قصيرة الأجل ، و عدد اللاعبين الذين ينتقلون بسلاسة إلى الفريق الأول، ومدى جاهزيتهم الفنية والبدنية والذهنية، هو المعيار الحقيقي لفعالية العمل القاعدي. وهنا تبرز أهمية الربط الاستراتيجي بين الهوية الكروية للنادى، واحتياجات الفريق الأول، وبرامج إعداد المراحل السنية.

إن المواءمة بين الطموح والواقع لا تعني التراجع عن التطوير، بل تعني تنظيمه وفق خطة مرحلية واضحة، تتدرج في رفع سقف المتطلبات بما يتناسب مع تطور مستوى اللاعب والمنافسة معًا ، كما تتطلب آليات تقييم دقيقة لاختيار المدربين، تركز على قدرتهم على التكيّف، وقراءتهم للبيئة المحلية، وليس فقط على تبنيهم لنموذج تكتيكي معين.

تطوير قطاع الناشئين في سلطنة عُمان مسؤولية تشاركية بين الأندية، والإدارات الفنية، والاتحاد، وتحتاج إلى رؤية موحدة تقوم على تحليل علمي دوري للنتائج والمخرجات ، فالمنهج التدريبي ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لبناء لاعب قادر على المنافسة إقليميًا وقاريًا.

المعادلة هي .. كلما كان المنهج أكثر ارتباطًا بواقع اللاعب، كان الانتقال إلى مستويات أعلى أكثر سلاسة ، وكلما اتسعت الفجوة بين النظرية والتطبيق، تأخر التطور التنافسي. إن مستقبل كرة القدم لا يُبنى بالعناوين الكبيرة، بل بالتفاصيل الدقيقة في مرحلة التكوين والتفاصيل هي ما تصنع الفارق الحقيقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى