بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

رؤية شخصية في ذاكرة المكان (7) حارة الرمل بولاية عبري في رمضان… سيرة جبل وقلوب متآلفة

الكاتب أ. عصام بن محمود الرئيسي
مؤلف أعمال متخصصة في المراسم والسلوك الراقي

 

 

في عُمان الغالية، كانت حاراتها القديمة أكثر من مجرد بيوت متجاورة؛ كانت مجتمعًا متكاملًا، تنبض أزقته بالحياة، وتحفظ جدرانها الطينية ذاكرة أجيال تعاقبت على المحبة والتآزر. ومع قدوم شهر رمضان المبارك، كانت تلك الحارات تكتسي حُلّة خاصة، فيغدو المكان أكثر دفئًا، وتزداد القلوب قربًا، وتتعانق الأرواح كما تتعانق البيوت المتراصّة.

الأستعداد لشهر رمضان:

في حارة الرمل، كما في غيرها من الحارات العُمانية القديمة، يبدأ الاستعداد للشهر الفضيل قبل حلوله بأيام. تُنظَّف البيوت، ويفرش السجاد وتُرتَّب المجالس، وتُحضَّر الأواني النحاسية والزجاجية التي لم تكن تُستخدم إلا في المناسبات الخاصة. تُرمَّم المواقد الطينية التي يُطهى عليها الطعام، إذ لم يكن غاز الطبخ قد وصل إلى الحارة في بعض المنازل الصغيرة، لم تكن المواقد الطينية وحدها هي الوسيلة للطهي، بل وُجدت أيضًا الكوله، وهو موقد صغير يعمل بالكيروسين. كانت تُستخدم لإعداد بعض الأطعمة أو لتسخين الطعام، ولم يكن الأطفال أو النساء يستخدمونها إلا بحذر، إذ كانت تحتاج إلى خبرة بسيطة لضبط اللهب. ومع ذلك، كانت جزءًا من المشهد اليومي في الحارة، تعكس بساطة الحياة آنذاك، وحرص الناس على الاستفادة من كل وسيلة متاحة لتدبير المأكل والمشرب خلال شهر رمضان المبارك.

مدفع الإفطار:

وعند اقتراب الغروب في شهر رمضان، يتغير إيقاع الحارة. يهدأ لعب الأطفال شيئًا فشيئًا، وتتجه الأنظار نحو المكان الذي يُطلق منه مدفع الإفطار. يصعد الصغار إلى مرتفع قريب، بقلوب تخفق شوقًا للحظة المنتظرة، مستفيدين من موقع الحارة الجبلي الذي كان يفتح لهم الأفق واسعًا حتى آخر خيوط الشمس وهي تتوارى خلف القمم الصخرية. ولم تكن مكبرات الصوت قد عُرفت في تلك الأيام بشكل واسع، فكان الاعتماد كليًا على مدفع الإفطار الذي يطلق من حصن عبري من جهة الجنوب للحارة وصوت الأطفال أنفسهم في تبليغ الخبر. وما إن يدوي صوت المدفع في الأرجاء، حتى تنطلق صيحاتهم البريئة، ويندفعون نحو الأزقة هاتفين بأعلى أصواتهم: “فطّروا فطّروا الصايمين بسحة ولبن!” – ويقصد بالسحة هنا بالتمرة – فيتلقف الناس النداء من بيت إلى بيت، وكأن الحارة كلها تتحول إلى موجة واحدة من الفرح. كانت تلك اللحظة تختصر معنى الجماعة؛ فالإفطار لم يكن شأنًا فرديًا، بل حدثًا تشاركيًا يفرح به الجميع مهما اختلفت أعمارهم في آنٍ واحد.

سفرة رمضان:

داخل البيوت، تجتمع الأسرة حول سفرة بسيطة عامرة بالبركة. في الصفرة يحضر التمر والماء، وأيضًا اللبن، أو ما يُعرف محليًا بـ”الرقيق”، لتبدأ به الأسرة الإفطار، اقتداءً بالسنة، قبل أن تتوالى الأطباق التقليدية الأخرى التي تحمل نكهة البيت ودفء اليد التي أعدّتها الأمهات بحبٍّ وصبر. لم تكن الموائد فاخرة، لكنها كانت غنية بروح المشاركة. كثيرًا ما كان صحن من الطعام يخرج من هذا البيت إلى ذاك، في حركة دؤوبة تعكس عمق الترابط بين الجيران. فلا يُترك بيت دون أن يُسأل عن حاله، ولا يُنسى محتاج دون أن تمتد إليه يد العون.

بعض الأسر في الحارة كانت تمتلك رؤوسًا من البقر وتنتج اللبن الطازج، ومع قدوم شهر رمضان، كانت تقوم بتوزيعه على الجيران مجانًا، كنوع من المشاركة والبركة. لم يكن الأمر مجرد تبادل للمواد الغذائية، بل كان تعبيرًا صادقًا عن روح العطاء والتعاون بين البيوت، ويزيد من شعور الجميع بوحدة الحارة وانتمائهم لبعضهم البعض في هذا الشهر الفضيل.

التبريد بوسائل بسيطة :

ولم تكن الثلاجات يومئذٍ حاضرة في معظم بيوت الحارة، فكانت البساطة سيدة التدبير، وكانت الحيلة عنوان الاكتفاء. فإذا أرادت الأسرة أن تُبرّد ماءً أو تحفظ شيئًا من الطعام قبيل الإفطار، لجأت إلى “قطرات الجحال”؛ وهي أوانٍ فخارية تُعلّق لشرب الماء، تتسرّب منها قطرات رقيقة بفعل مسام الطين. كانت تلك القطرات تنساب بهدوء، وحين تهبط على ما يوضع تحتها تُحدث أثرًا لطيفًا من البرودة، كأنها نسمة مخفية في قلب الصيف. وهكذا، بوسائل بسيطة صنعتها البيئة وأتقنها الناس، كانت الحاجة تُروَّض بالفطنة، ويغدو الانتظار جزءًا من متعة الأشياء، لا عبئًا عليها.

صلاة التراويح:

حسب ذاكرتي، كانت صلاة التراويح تُقام في عدة مساجد مقابل الحارة، أبرزها مسجد المذبحة حسب ما كنا نطلق عليه في ذلك الوقت، ومسجد سدرة الرمل، ومسجد الشريعة. وكانت هذه المساجد لا تقتصر على كونها أماكن للعبادة فحسب، بل كانت مراكز مصغرة اجتماع أهل الحارة، حيث يلتقي الكبار لتبادل الأحاديث، ويتعلم الصغار قيم الصيام والقيام، ويشعر الجميع بروح الانتماء والمشاركة في أجواء رمضان المبارك.

السمت العماني وصغار السن:

الجميل أن الصغار كانوا يشاركون في تقديم القهوة في مجالس رمضان، تحت إشراف الوالدين، ليُعلموهم السمت العُماني الأصيل، سواء من الإناث في مجالس النساء أو الذكور في مجالس الرجال . لم يكن الأمر مجرد تقديم القهوة ومسك الفنجان والدلة بالطريقة الصحيحة، بل كان درسًا عمليًا في الأدب والاحترام وحسن الضيافة، وغرسًا لقيم التشارك والعطاء منذ الصغر، ليكبر الأطفال وقد تلبستهم روح الحارة ودفء الشهر الفضيل.

قيم العطاء بأبهى صورها في الشهر الفضيل:

كانت الحارة في رمضان تتجسد فيها قيم العطاء بأبهى صورها. يجتمع الرجال بعد صلاة التراويح في المسجد أو في أحد المجالس، يتداولون شؤون الناس، ويحرصون على تفقد أحوال الأسر المتعففة. تُجمع التبرعات بسرية، وتُقدَّم المساعدة بكرامة تحفظ ماء الوجه. أما النساء، فكنّ يتسابقن في إعداد الأطعمة وإرسالها إلى من يحتاج، وكأنهنّ يتنافسن في الخير لا في شيء سواه.

وتشتد روابط الجيرة في هذا الشهر الكريم. إذا مرض أحدهم، وجد من يسأل عنه ويقوم بخدمته. وإذا سافر ربّ بيت، اطمأن أن جيرانه سيهتمون بأسرته كأنهم أهله. كانت البيوت المتلاصقة تتبادل الظلّ والضوء، وتتشاطر الأفراح والأتراح. لا تُغلق الأبواب بإحكام، ولا تُبنى الأسوار العالية؛ فالثقة كانت أساس العلاقة، والاحترام متبادل بين الجميع. وتزداد الزيارات المتبادلة في ليالي رمضان، فتتنقل النسوة بين البيوت لتناول القهوة وأكلات الشهر، ويستمر السمر وتبادل الأحاديث حتى ساعات متأخرة من الليل. ثم ما يلبثن أن يعدن إلى بيوتهن قبيل السَّحر، لينشغلن بهدوء في إعداد وجبة السحور، وكأن الليل نفسه يتقاسم معهن مسؤولية البركة والاستعداد ليوم صيام جديد.

وفي ليالي رمضان، تكتسب الحارة سكينة خاصة. تعود الجموع من صلاة التراويح، تتعالى همسات السمر الهادئ. يجلس الكبار يستعيدون ذكرياتهم، ويروون للصغار حكايات الماضي، بينما يستمع الأطفال بشغف، يتعلمون من خلالها معنى الانتماء والوفاء للأرض والجيران. كانت تلك الجلسات مدرسة غير مكتوبة، تُغرس فيها قيم التعاون والتعاضد، وتنمو فيها بذور المحبة الصادقة.

حارة الرمل، مثل كثير من الحارات العُمانية القديمة، لم تكن مجرد موقع جغرافي، بل كانت روحًا جمعية. في رمضان تتجلى تلك الروح بأوضح صورها؛ حيث تتعانق القلوب قبل الأيدي، ويتحول الشهر الفضيل إلى مناسبة لإعادة ترميم العلاقات وتعميقها. كان الناس يدركون أن قوة المجتمع في تماسكه، وأن بركة الشهر لا تكتمل إلا بتكافل أفراده.

واليوم، مهما تغيّرت أنماط الحياة وتسارعت إيقاعاتها، تبقى تلك الذكريات حية في الوجدان. صوت مدفع الإفطار، وصيحات الأطفال، وأطباق الطعام المتنقلة بين البيوت، وجلسات السمر بعد التراويح… كلها مشاهد تختصر زمنًا جميلًا كانت فيه الحارة قلبًا واحدًا ينبض بالمحبة. وهكذا ستظل حارة الرمل كغيرها من الحارات العمانية في رمضان رمزًا لصفاء الأيام، وأصالة المكان، وروح العطاء التي ميّزت الحارات العُمانية عبر الأجيال.
            وعلى الخير نلتقي، وبالوفاء نرتقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى