بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

بين قسوة التجربة وميزان البر .. ( رسالة من أب)

عبد العزيز بدر عبد الله القطان

كاتب ومحامي كويتي

 

أكتب هذا الكلام لا بصفتي واعظاً، ولا باحثاً، بل بصفتي أباً يحمل في صدره أسئلة ثقيلة لا تُقال كثيراً، أباً يراقب أبناءه وهم يكبرون، ويخشى أن يكون قد قصّر حيث كان يجب أن يكون حاضراً، أو أخطأ حيث كان ينبغي أن يكون أكثر رفقاً.

أكتب من مساحة القلق الصامت الذي يعرفه الآباء حين يكتشفون أن الأبوة ليست قوة ولا سيطرة، بل خوف دائم من أن تترك أثراً خاطئاً في روح من تحبهم أكثر من نفسك، وكثيراً ما يسأل الأب نفسه: هل كنتُ عادلاً؟ هل قسوت حين كان اللين أولى؟ هل غبتُ طلباً للرزق بينما كان حضوري هو الرزق الحقيقي؟ هذه الأسئلة لا تجد أجوبة سهلة، لكنها تقودنا إلى جوهر العلاقة بين الأب وأبنائه كما رآها الدين الإسلامي، لا كعلاقة مثالية، بل كرحلة إنسانية مليئة بالتقصير والتوبة، بالخطأ والتعلم، وبالأمل الذي لا ينقطع.

من هنا، إن الأب في جوهره إنسان قبل أن يكون مسؤولاً، ضعيف قبل أن يكون قدوة، ومحتاج إلى الهداية بقدر ما هو مطالب بأن يهدي، ومن هنا تبدأ الحكاية، لا من النصوص وحدها، بل من القلب الذي يتألم حين يشعر أنه لم يكن كما يجب، ويخاف أن يكون هذا الألم قد انتقل إلى أبنائه دون أن يشعر.

وحين ننظر إلى الأبوة من الداخل، من موقع الأب نفسه، ندرك أنها عبء أخلاقي قبل أن تكون موقعاً اجتماعياً، الأب لا يُمنح أبناءه ليملكهم، بل ليُختبر فيهم، وكل يوم يمر هو امتحان جديد في الصبر، والعدل، وضبط الغضب، والتوازن بين الشدة والرحمة، وقد فهم علماء الإسلام هذا البعد الإنساني بعمق، فلم يتحدثوا عن الأب كرمز للهيبة فقط، بل ككائن مُطالَب بمجاهدة نفسه قبل أن يطالب أبناءه بأي شيء.

ففي كتب السلف، تتكرر الإشارة إلى أن أول تربية يقدمها الأب لأبنائه هي تربيته لنفسه، فقد كان الحسن البصري يقول إن الولد ينظر إلى فعل أبيه أكثر مما يسمع من قوله، وإن فساد القدوة أخطر من غياب النصيحة، وهذا المعنى يطارد الأب في وحدته، لأنه يدرك أن أخطاءه اليومية، حتى الصغيرة منها، قد تتحول في وعي أبنائه إلى قواعد حياة، هنا، تصبح الأبوة خوفاً دائماً من أن تزرع شيئاً لا تستطيع اقتلاعه لاحقاً.

لكن الإسلام، في رحمته، لم يُصوّر الأب ككائن معصوم، بل اعترف ضمناً بإمكانية التقصير، وفتح باب التدارك، فالعلاقة بين الأب وأبنائه ليست لحظة واحدة تُحسم فيها الأمور، بل مسار طويل يسمح بالمراجعة والاعتذار وإعادة البناء، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، نفسه يُظهر ضعفه الإنساني أمام أهله، ويبكي، ويحنّ، ويعترف بالمشاعر، ليؤسس نموذجاً للأب القريب لا المتعالي.

ومن زاوية الأب، يظهر الألم حين يشعر أن أبناءه لا يفهمون دوافعه، ولا يرون سوى النتائج، الأب الذي غاب كان يظن أنه يحميهم من الفقر، والأب الذي شدد كان يعتقد أنه يقيهم الانحراف، والأب الذي صمت كان يظن أن الصمت حكمة، لكن الزمن يكشف أن النيات وحدها لا تكفي، وأن الحب غير المترجم إلى حضور واحتواء قد يتحول إلى فجوة عاطفية يصعب ردمها.

وهنا، يتدخل البعد الأخلاقي الإسلامي ليضع ميزاناً دقيقاً، فالإسلام يُحمّل الأب مسؤولية واضحة: النفقة، والرعاية، والتعليم، والعدل بين الأبناء، وعدم الإضرار النفسي أو الجسدي، وقد عدّ العلماء الظلم بين الأبناء من كبائر الذنوب، لأنه يُفسد القلوب ويزرع العداوة داخل البيت الواحد، وهذا الخطاب موجع للأب، لأنه يجعله يرى أخطاءه لا كتصرفات عابرة، بل كأمانات سيسأل عنها.

لكن في المقابل، لم يُسقط الإسلام مكانة الأب حتى في حال التقصير، بل بقيت له حرمة، وبقيت له كرامة، وبقيت له حقوق إنسانية لا تزول، فالعقوق في المنظور الإسلامي ليس رد فعل على الألم، بل اختيار أخلاقي سلبي يضاعف الجرح ولا يداويه، ومع ذلك، فرّق العلماء بوضوح بين العقوق وبين الحزن أو الغضب أو المسافة النفسية، فالابن الذي يتألم ليس عاقاً، والابن الذي يحمي نفسه من الأذى ليس آثماً، ما دام لا يتجاوز حدود الأدب والعدل.

أما في حالات الطلاق وغياب الأب، فالمسألة تصبح أكثر حساسية، فالأب قد يكون حاضر الاسم، غائب الأثر، أو غائب الجسد حاضر الذنب في وعي أبنائه، وهنا، لا يطلب الإسلام من الأبناء أن يُلغوا ذاكرتهم أو أن يُزيّفوا مشاعرهم، لكنه في الوقت ذاته لا يسمح لهم بأن يجعلوا الألم ذريعة لانهيار الأخلاق، فالأخلاق في الإسلام ليست مكافأة على المعاملة الحسنة، بل عهد مع الله تبارك وتعالى.

ومن موقع الأب المتألم، تبدو هذه المعادلة قاسية، فالأب قد يعترف بتقصيره، لكنه يتمنى ألا يُحاكم إلى الأب، يتمنى فرصة إصلاح، أو على الأقل فرصة صمت كريم لا يتحول إلى إهانة، وهذا ما أكده العلماء حين قالوا إن البر درجات، وإن الحد الأدنى منه هو الكف عن الأذى، حتى في حال الجفاء، فليس مطلوباً من الابن أن يمنح قلبه قسرًا، لكن المطلوب ألا يُلوّث قلبه بالكراهية.

ومن الجانب الروحي، يذكّرنا الإسلام بأن العلاقات غير المكتملة قد تكون سبباً في تهذيب النفس، فالأب الذي لم يُحسن قد يتعلم التواضع، والابن الذي لم يُنصف قد يتعلم الصبر، وكل في موقعه يُدعى إلى الارتقاء لا الانتقام. فالله لا ينظر فقط إلى ما حدث، بل إلى ما نصنعه نحن بما حدث.

وفي هذا المعنى، يصبح الأب رمزاً لاختبار أعمق: هل نستطيع أن نكون أخلاقيين حتى عندما لا تُنصفنا الحياة؟ وهل نقدر أن نفصل بين حقنا في الألم وواجبنا في السلوك؟ الإسلام يجيب بنعم صعبة، نعم تحتاج مجاهدة، لكنها تصنع إنسانًا ناضجًا، لا أسيرًا لتجربته.

وفي نهاية هذا التأمل، يبدو أن الأبوة في الإسلام ليست قصة انتصار دائم ولا فشل نهائي، بل مسار طويل من التعلم المتبادل، الأب ليس بطلاً كاملاً، ولا الابن قاضياً مطلقاً، كلاهما بشر، وكلاهما يحمل جراحه وأخطاؤه، وكلاهما مدعوّ لأن يسمو فوق لحظته الخاصة إلى أفق أخلاقي أوسع.

من وجهة نظر الأب، يبقى الرجاء مفتوحاً، أن يُغفر التقصير، وأن تُفهم النية، وأن يُتاح الإصلاح ولو متأخراً، ومن وجهة نظر الإسلام، يبقى الميزان ثابتاً، لا ظلم، ولا إساءة، ولا سقوط للأخلاق مهما كانت الأسباب، وبين الرجاء والميزان، تتشكل إنسانية العلاقة، لا كاملة، لكنها صادقة، ولا مثالية، لكنها قابلة للشفاء.

وهكذا، لا يكون الدرس الأخير في الأبوة هو السيطرة أو الطاعة، بل الرحمة المتبادلة، والعدل الممكن، والسعي الصادق إلى أن نخرج من هذه العلاقات أقل قسوة، وأكثر وعياً، وأقرب إلى الله تبارك وتعالى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى