بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

‏جرينلاند – ببرودتها – كشفت حرارة الأزمة الحقيقية

الدكتور عدنان بن أحمد الأنصاري

محلّل سياسي، ودبلوماسي، وسفير سابق

 

‏إن كان الناتو عقدًا بين دولٍ متساوية السيادة فسيادة الدنمارك وقرار جرينلاند ليسا موضوع مساومة. وإن كان الناتو مظلةً تُملي شروطها القوة الأكبر فهذه ليست أزمة جرينلاند بل بداية ما بعد الناتو بصيغته القديمة.

‏لن نشهد غالبًا طائرات أمريكية تقصف أوروبا لكن قد نشهد ما هو أخطر:
‏تصدّع اليقين الأوروبي بأن أمريكا هي الثابت الأخير.
‏وعندئذٍ ستتحول الجزيرة المتجمدة من قيمة جغرافية إلى نقطة انعطاف في تاريخ الشرعية الأطلسية—حيث تتقدم روسيا والصين خطوة فقط لأن الغرب تعثّر في تعريف حدوده وقواعده.

ليست أزمة جرينلاند مجرد خلافٍ على رقعةٍ جليدية إنها اختبارٌ للمعنى الحقيقي لكلمة تحالف.
‏لأن الناتو لم يُبنَ فقط على الخرائط بل على افتراضٍ أخلاقي – سياسي :
‏أن القوّة تُقيَّد بقواعد وأن المصلحة تُدار داخل عقدٍ جماعي لا يُمزَّق عند أول تضارب.

‏اليوم تُدار الأزمة بمنطقٍ الممرات والإنذار المبكر وميزان الردع – لكنها تُفجِّر سؤالًا هل الغرب وحدةٌ قيمية أم مظلّةٌ أمريكية قابلة للطيّ؟
‏أم أن حين تضعف الشرعية تُصبح الجغرافيا نفسها ساحة نزاع على من يملك تعريف النظام.

‏1) ما الذي حدث ؟ ولماذا تحوّلت جرينلاند إلى اختبار الناتو ؟

‏خلال يناير 2026 تصاعدت الأزمة على خلفية إصرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على فكرة امتلاك/السيطرة على جرينلاند مع تلميحات بأن كل الخيارات مطروحة بالتوازي مع ضغط اقتصادي (تهديدات تعريفات جمركية على حلفاء أوروبيين) وتوتر دبلوماسي مباشر مع كوبنهاغن ونوك (حكومة جرينلاند).

‏لكن ما جعلها أزمة ناتو لا أزمة ثنائية هو أمران :
‏•المؤسسة نفسها دخلت على الخط :
‏لقاء أمين عام الناتو مارك روته بوزير دفاع الدنمارك ووزيرة خارجية جرينلاند في مقر الناتو (19 يناير 2026).
‏•تدويل الردع ميدانيًا:
‏تقارير عن تحركات/مشاركات عسكرية أوروبية باتجاه جرينلاند ضمن رسائل تضامن وردع.

‏وفي الخلفية :
‏اتفاق تشكيل مجموعة عمل أمريكية -دنماركية-جرينلاندية لتنسيق سياسة القطب الشمالي بعد محادثات متوترة في واشنطن – وهو اعتراف عملي بأن الخلاف بنيوي لا سوء تفاهم.

‏2) هل الناتو متماسك بقواعد مشتركة .. أم مظلة أمريكية قابلة للطي ؟..

‏هنا جوهر الاختبار.

‏الناتو تاريخيًا هو مزيج بين:
‏• عقد ردع (قدرة عسكرية أمريكية تُطمئن أوروبا)
‏• وعقد شرعية (قواعد سيادة وحدود وعدم الإكراه بين الشركاء).

‏أزمة جرينلاند تضرب العقدين معاً :

‏• إذا تحوّل طلب واشنطن من توسيع وجود/قواعد إلى تغيير سيادة فالحديث لم يعد أمنًا مشتركًا بل إعادة ترسيم ملكية – وهذا ينقل الناتو من تحالف دفاعي إلى ساحة نزاع على الشرعية.

‏• استخدام أدوات التجارة (الرسوم/التعريفات) ضد الحلفاء لفرض تنازل سيادي يعيد تعريف العلاقة :
‏من تضامن إلى ابتزاز داخل البيت الواحد.
‏هنا تتبدّى القاعدة القاسية في السياسة الدولية :
‏حين تتناقض المصلحة القومية العليا للقوة العظمى مع قواعد التحالف يصبح التحالف هو المتغيّر لا الثابت.

‏لكن هذا لا يعني أن قصف أوروبا غدًا أمر مرجّح – بل يعني أن سقف ما يمكن أن تفرضه واشنطن على الحلفاء ارتفع إذا غاب الردع السياسي الداخلي والخارجي.

‏3) هل يمكن لجزيرة متجمدة أن تُطلق حربًا بين الحلفاء؟
سيناريو الحرب الساخنة بين الحلفاء يظل الأقل احتمالًا لكنه ليس صفرًا والأهم ً:
‏أن الحرب قد تبدأ بلا إعلان حرب.

‏لماذا الاحتمال منخفض؟
‏• لأن أي صدام عسكري أمريكي-دنماركي سيُفجِّر الناتو من الداخل ويعزل واشنطن أخلاقيًا داخل الغرب ويخلق أزمة شرعية عالمية.
‏وقد وصل التحذير الأوروبي إلى حد القول إن استيلاءً عسكريًا سيعني عمليًا نهاية الناتو.

‏• لأن جرينلاند نفسها تُعلن تمسّكها بالدنمارك وبالناتو وترفض فكرة التحول إلى أرض أمريكية.
‏كيف قد تنزلق الأزمة دون “حرب معلنة”؟
‏هناك مسار أخطر من الحرب :
‏التآكل التدريجي :
‏1. ضغط اقتصادي/سياسي أمريكي متصاعد
‏2. حشد أوروبي/دنماركي ردعي على الأرض
‏3. حادث احتكاك (موانئ/مجال جوي/توسيع قواعد بلا توافق سياسي)
‏4. ثم يتحول الخلاف إلى سؤال :
‏من يفرض تعريف السيادة؟
‏في هذه الحالة لا تحتاج الأمور إلى قصفٍ مباشر يكفي أن تُكسر المحرمات مرة واحدة – وعندها يصبح الناتو هيكلًا بلا روح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى