بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

حين يصبح الإنجاز ضرورة إنسانية

ياسمين عبدالمحسن إبراهيم

المدير التنفيذي لشركة رواق الابتكار
مدربة في مجال اكتشاف وتطوير المهارات
مهتمة بمجال تطوير الأعمال

 

لسنا ساعين إلى الأشياء بقدر ما نحن باحثون عن أنفسنا. في زمن يُقاس فيه الإنسان بما يملك لا بما يصنع، يصبح الفعل محاولة للنجاة، والإنجاز فعل مقاومة صامتة لشعور عدم الكفاية والانطفاء.

لسنا في هذا العالم ساعين إلى الأشياء بقدر ما نحن باحثون عن أنفسنا. نمضي بين التفاصيل، نلامسها، نقتنيها، نصنعها أحيانًا، لا لأننا بحاجة إليها بذاتها، بل لأن في داخل كل شيء احتمالًا لأن نرانا أوضح. الأشياء ليست هدفًا، بل ذريعة؛ ذريعة لنشعر بأننا موجودون، وبأننا ما زلنا قادرين على الفعل وسط عالم يتقن تذكيرنا بعدم الكفاية.

الإنسان لا يطلب الامتلاء بقدر ما يطلب المعنى. فكم من يدٍ امتلكت الكثير، وبقيت فارغة من الإحساس بالجدوى، وكم من روحٍ صنعت القليل لكنها شعرت، للمرة الأولى، بأنها تقف في مكانها الصحيح. الرغبة الحقيقية لا تتجه نحو التكديس، بل نحو القدرة؛ القدرة على البناء، على الابتكار، على تحويل ما هو عاديّ إلى ما يستحق النظر.

حين نصنع شيئًا، مهما بدا بسيطًا أو متواضعًا، فإننا لا نضيفه إلى العالم فحسب، بل نضيف أنفسنا إليه. في لحظة الصنع، يتراجع ذلك الإحساس الثقيل بعدم الكفاية خطوة إلى الخلف، ويحل محله شعور خافت لكنه صادق: ما زلت أستطيع.

الابتكار، في جوهره العميق، ليس حكرًا على العباقرة ولا على أصحاب الأدوات المتقدمة، بل هو موقف داخلي قبل أن يكون مهارة خارجية. هو أن نجرؤ على مساءلة الواقع، وألا نقبله كما هو فقط لأنه مألوف.

العالم الحديث لا يترك لنا مساحة واسعة للتأمل. يدفعنا نحو السرعة، ويقيس قيمتنا بما نملك، وبما نُنجز، وبما يظهر للعلن. في هذا الضجيج، يتسلل شعور عدم الكفاية بهدوء، ويقنعنا بأن ما نفعله غير كافٍ.

كل مرة نختار فيها الصنع، ولو في أبسط صوره، فإننا نمارس فعل مقاومة داخلي. مقاومة لفكرة الانطفاء، ولمقاييس جاهزة لا تشبهنا، ولمقارنات تُفرغ التجربة من معناها.

ومع تراكم هذه الأفعال الصغيرة، تتشكل صورة مختلفة للذات. ليست صورة مثالية خالية من النقص، بل صورة إنسان يحاول، ويخطئ، ويتعلم، ويواصل.

في النهاية، نحن لا نبحث عن المزيد من الأشياء، بل عن المزيد من أنفسنا داخل الأشياء. وحين نصنع شيئًا، حتى لو كان بسيطًا، نكون قد خطونا خطوة بعيدًا عن شعور عدم الكفاية، وخطوة أقرب إلى صورة أنفسنا التي نرجو أن نكونها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى