بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

بين شاشة التقييم وواقع الميدان.. ايهما تحكمه إجادة ؟

خـالـصـة الـصـلـتـي

 

في كل عام، ومع لحظة اعلان نتائج اجادة، لا يتوقف الاثر عند شاشة النظام التي تعرض اسماء الحاصلين على تقدير امتياز، بل يتسلل الى المكاتب والممرات وغرف الاجتماعات، حيث تقرا التقديرات بلغة اخرى، وتظهر في الاحاديث اليومية ملامح احباط عميق واسئلة تقال همسا اكثر مما تعلن.لا يبدو الامر عارضا يمر ثم ينتهي، بل مشهدا يتكرر مع كل دورة تقييم، لان المسافة بين ما يبذل من جهد في الميدان وما يرى من تقدير في النتائج ما تزال، في نظر كثيرين، اوسع من ان تردم في مقياس اجادة.

يقال في قصة قديمة ان تاجرا كان يزن بضائعه بميزان دقيق، لكن الناس لم يثقوا فيه، لا لان الميزان كان معطلا، بل لان يده كانت دائما قريبة من كفة الوزن. لم يتهمه احد صراحة، ولم يثبت عليه خطا، لكن الشك ظل قائما، لان المسافة بين الميزان واليد لم تكن واضحة بما يكفي. منذ ذلك الحين، صار الميزان في الحكايات رمزا لا للقياس فقط، بل للثقة ايضا. فالناس لا تبحث عن دقة الوزن وحدها، بل عن اطمئنان القلب الى عدالة من يزن.

التميز في العمل العام يشبه ذلك الميزان. ليس رقما يعلن، ولا مرتبة تمنح، بل شعورا عاما بان الجهد يرى كما هو، وان الاثر يقاس كما حدث، لا كما كتب عنه. والسؤال الذي ينبغي ان يسبق كل تقييم هو ماذا تغير في واقع الخدمة بعد هذه الدورة. هل تحسنت تجربة المستفيد. هل اصبحت الاجراءات اكثر سلاسة. هل انخفضت الاخطاء. هذه الاسئلة هي التي تعطي للتقديرات معناها، لا العكس.

من حيث المبدأ، فان ربط المكافآت بنتائج اجادة المؤسسية وتحسين المؤشرات العامة لكل جهة يحمل فكرة ايجابية. فهو ينقل التميز من كونه انجازا فرديا الى مسؤولية جماعية، ويجعل تحسن الجهة انعكاسا لاداء فريقها باكمله. وحين ترتفع النتائج، تمنح المكافأة للموظفين بوصفها ثمرة عمل مشترك، ورسالة تقول ان النجاح لا يصنع في مكتب واحد، بل في منظومة كاملة.

لكن هذه الفكرة، حين تنتقل من الورق الى الواقع، تدخل اختبارا ادق، اختبار العدالة في التوزيع.

في بعض الادارات، تدار المكافأة بوصفها اداة تحفيز حقيقية، تراجع فيها النتائج، وتقارن الادوار، وينظر الى من اسهم فعليا في تحسين المؤشر. وفي ادارات اخرى، تظهر ممارسات مختلفة، تمنح المكافأة احيانا على اساس الارضية الادارية، او توزع بدافع الترضية، او تدار بمنطق العلاقات اكثر من منطق الاداء. هنا لا يعود السؤال من احدث الفرق، بل من الاقرب، ومن الاجدر بالرضا.

وعندما تدخل المشاعر الى معادلة التقييم، تختل وظيفة المنظومة. فالعدالة المؤسسية لا تبنى على العاطفة، ولا على الرغبة في ارضاء الجميع، بل على معيار واضح يكافئ الاثر لا القرب، ويميز الانجاز لا الحضور فقط. والمساواة الشكلية في التوزيع قد تبدو انصافا في ظاهرها، لكنها في جوهرها تضع المجتهد والمقصر في كفة واحدة، وتفقد التحفيز معناه.

ومن بين اكثر النقاط التي تثير النقاش، مسالة المكافآت العليا، وعلى راسها المكافاة المالية التي قد تصل في بعض الحالات الى سبعة الاف ريال عماني لمدراء العموم ومن في حكمهم عند تحقيق تقييمات مرتفعة. رقم يبدو كبيرا حين يذكر، لكنه يفتح بابا للتامل حين يفكك.

سبعة الاف ريال، حين تقسم على اثني عشر شهرا، تتحول الى ما يقارب خمسمائة وثلاثة وثمانين ريالا شهريا. مبلغ يمكن ان يكون وظيفة لباحث عن عمل، لا مكافاة موسمية. استدامة، لا لحظة. اثرا يبقى، لا تصفيقا يعبر.

هذا الطرح لا يستهدف التقليل من قيمة الدور القيادي، ولا الاعتراض على مبدأ التحفيز، بل يسعى الى توسيع زاوية النظر. كيف نضمن ان تكون الحوافز في جميع مستوياتها جزءا من منظومة عدالة داخلية، لا عنصرا يزيد من فجوة الشعور بين من يقفون في الصف الاول ومن يعملون في الظل.

وفي تجارب دولية متعددة، لم يترك التقييم ليكون مجرد شاشة او موسم اداري. ففي سنغافورة، يربط الاداء الحكومي بشكل مباشر بمؤشرات الخدمة العامة نفسها، مثل سرعة انجاز المعاملات، ونسبة رضا المستفيدين، وجودة النتائج على ارض الواقع، وينظر الى التميز بوصفه اثرا جماعيا يعكس اداء الفريق والمؤسسة لا الفرد وحده. وفي كندا، تربط مكافآت القيادات بتحقيق اهداف قصيرة ومتوسطة المدى، ويعاد النظر في التقييم بعد فترة زمنية لقياس استدامة الاثر، لا الاكتفاء بلحظة الاعلان. اما في نيوزيلندا، فتستخدم نتائج التقييم بوصفها نقطة انطلاق لحوارات داخلية مفتوحة داخل الجهات الحكومية، تناقش فيها اسباب النجاح والتعثر، وما الذي يجب ان يتغير فعليا في الدورة التالية، بحيث يصبح التقييم اداة تعلم مؤسسي لا مجرد تصنيف اداري.

هذه التجارب تلتقي على فكرة واحدة، التقييم ليس غاية، بل وسيلة للتحسين المستمر.

ومن هنا، يبرز مطلب مشروع يتكرر على السنت كثيرين داخل المؤسسات. نريد ان نعرف اي المؤشرات تحسنت فعليا، وكيف اسهم كل من حصل على ممتاز في رفع اداء هذه المؤشرات، وما الاثر الذي تركه جهده على جودة الخدمة ونتائج المؤسسة، لا على شكل التقرير فقط.

ومن هذا المنطلق، تصبح الحاجة ملحة الى مسارات تطوير واضحة داخل اجادة وتطبيقها المؤسسي. ليس المهم فقط ان نعرف من حصل على المكافاة، بل كيف تم التوصل الى هذا الاستحقاق، وما الاثر الذي احدثه الاداء في واقع العمل والخدمة. المكافاة لا ينبغي ان تكون اداة ترضية او موازنة مزاج اداري، بل اداة تحفيز مبنية على مؤشرات واضحة قابلة للقياس والمراجعة، تكافئ الاثر الحقيقي لا القرب، والانجاز لا الحضور. والعمل الحكومي سلسلة مترابطة، وحين يقاس الاداء بمعزل عن الفريق والسياق، تغفل ادوار جوهرية تصنع النتائج على الارض دون ان تظهر في التقارير، فيختل الميزان بين من ينجز في الميدان ومن يكتفي بالظهور في العرض.

اما في ملف الحوافز القيادية، فان العدالة لا تتحقق بالانكار ولا بالتبرير، بل بالوضوح في المنطق الذي يحكمها، وبربط جزء منها بنتائج المؤسسة ككل، لا بنتيجة الفرد وحده. فالقيادة في جوهرها مسؤولية جماعية قبل ان تكون استحقاقا فرديا.

وحين نعود الى السؤال الذي يحمله العنوان في صدره، ندرك ان اجادة لا ينبغي ان تحكمها شاشة التقييم وحدها، ولا ان يختصر معناها في جدول او مرتبة. الذي يستحق ان يحكمها هو واقع الميدان، حيث تختبر القرارات، وتقاس الخدمة بعيون الناس لا بعداد المؤشرات. هناك فقط، يتوازن التقدير مع الاثر، وتلتقي العدالة مع الاداء، وتتحول اجادة من صورة على شاشة الى ممارسة ترى في كل مكتب وممر، وفي كل خدمة تصل الى مستحقها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى