بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

لا مكان للغرباء حين يتحول الحزن إلى مشهد مفتوح !!

الكاتب أ. عصام بن محمود الرئيسي
مدرب بروتوكول ومراسم – مؤلف أعمال متخصصة في المراسم والتشريفات

 

(أمر يستدعي الوقوف عنده والتفكير في أبعاده)

في أحد الأحياء، توفي شاب في ريعان عمره إثر حادث مفاجئ. أُعيد جثمانه إلى منزل أسرته قبيل التغسيل، التزامًا بعادة درجت عليها العائلة، ليودّعه والداه وإخوته نظرة أخيرة، كانت الأم جالسة قربه، تهمس باسمه، وكأنها تحاول إقناعه أن يستيقظ. كانت الدموع تختلط بالكلمات، والحزن أثقل من أن يُحتمل.

فجأة، بدأ المنزل يمتلئ بأشخاص لم تعرفهم الأسرة. وجوه غريبة، بعضهم بدافع “الواجب”، وبعضهم بدافع الفضول. دخلوا دون استئذان، ووقفوا عند الأبواب، يرمقون المشهد بنظرات صامتة. في تلك اللحظة، انهارت الأم وأبناءها، وارتفع صوت بكائها، وانكشفت هشاشتها الإنسانية أمام غرباء لم يكن من المفترض أن يشهدوا هذا الانكسار.

هذه القصة تُظهر بوضوح أن الحزن ليس مشهدًا عامًا، وأن بعض اللحظات خُلقت لتبقى داخل جدران القلب والبيت، لا تحت أنظار الغرباء. إن احترام خصوصية أهل المتوفى في تلك الساعات ليس مجرد ذوق اجتماعي، بل قيمة أخلاقية وإنسانية تحفظ كرامة الحزن، وتصون مشاعر من هم في أمسّ الحاجة للسكينة لا للأنظار.
 
تلك القصة أعزائي كانت مدخلا لحديثنا عن مثل هذه المشاهد والمواقف الغير مرضية ففي لحظات الوداع الأخيرة، وحين يعاد المتوفى إلى بيت أسرته لإلقاء النظرة الأخيرة عليه قبل تغسيله ودفنه، تتجلى أعمق مشاعر الإنسان: الحزن، الفقد، الانكسار، والرضا بقضاء الله.

هي لحظة إنسانية خالصة، شديدة الخصوصية، لا تشبه أي تجمع آخر، ولا تحتمل الفضول أو الحضور غير المبرر. ومع ذلك، نشهد في بعض الأحيان مشاهد غير لائقة تتمثل في دخول أفراد غرباء إلى بيت المتوفى في هذه اللحظات الحساسة، وهو أمر يستدعي الوقوف عنده والتفكير في أبعاده الاجتماعية والأخلاقية.

من المعروف في كثير من البيئات العُمانية والخليجية أن بعض الأسر تحرص على إحضار المتوفى إلى المنزل قبل نقله إلى المغسل ثم إلى المقبرة، لإتاحة الفرصة لأفراد الأسرة لإلقاء النظرة الأخيرة عليه، والدعاء له، وتوديعه وداعًا يخفف من وقع الفقد. هذا الإجراء ليس واجبًا شرعيًا، لكنه عادة اجتماعية نابعة من الحاجة النفسية والوجدانية للأسرة، خاصة الوالدين، الزوجة، الأبناء، والإخوة.

تكمن الإشكالية حين تتحول هذه اللحظة الخاصة إلى مشهد شبه عام، بدخول أشخاص لا تربطهم بالمتوفى أو بأسرته صلة قرابة قريبة. ففي تلك اللحظات، تكون النساء من أمهات وزوجات وبنات في حالة حزن شديد، وقد يظهر الانفعال بصورة لا يمكن التحكم فيها: بكاء، صراخ، انهيار نفسي، أو حتى فقدان القدرة على الاتزان وقد يصل الأمر أحيانًا – دون قصد أو وعي – إلى انكشاف بعض ما ينبغي ستره، هذه المشاهد، على إنسانيتها، لا ينبغي أن تُعرض أمام الغرباء، لا بدافع الحرج فقط، بل احترامًا لكرامة الأسرة وخصوصيتها.

البيت في هذه اللحظة لا يكون مكان استقبال، بل مساحة ألم، ومحراب وداع. وجود الغرباء لا يضيف عزاءً، بل قد يزيد من ثقل اللحظة، ويشعر الأسرة بأنها تحت المراقبة في أكثر أوقاتها ضعفًا. كما أن بعض النساء قد يضطررن إلى التقيّد أو كبح مشاعرهن بسبب وجود رجال أو أشخاص لا تربطهم صلة قريبة، مما يضاعف الألم بدل أن يخففه.

من غير المقبول اجتماعيًا ولا أخلاقيًا أن يتحول الحزن إلى مشهد مفتوح، أو أن يُبرَّر دخول الغرباء بحسن النية أو بدافع المشاركة. فالمشاركة الحقيقية تكون بالدعاء، والانتظار خارج المنزل، واحترام حدود المكان واللحظة. أما الدخول دون حاجة أو دعوة، فهو تعدٍّ غير مباشر على حرمة البيت وحرمة الموقف.

العرف السليم، الذي يتوافق مع قيم الدين والمجتمع، يقتضي أن يقتصر الحضور داخل المنزل في هذه اللحظات على الأقارب من الدرجة الأولى أو من تأذن لهم الأسرة صراحة. غير ذلك، فالأولى بالناس أن ينتظروا خارج المنزل، أو يكتفوا بالمشاركة في الصلاة والدفن والعزاء لاحقًا، حيث تكون الأمور أكثر تنظيمًا وأقل حساسية.

كما أن على كبار الأسرة أو القائمين على شؤون الجنازة مسؤولية تنظيم هذا الأمر، ومنع الدخول العشوائي، ليس من باب القسوة، بل من باب الحكمة وحفظ الكرامة. فالكثير من هذه التجاوزات تحدث بدافع الجهل أو العادة، لا بقصد الإساءة، وهنا يأتي دور التوعية الاجتماعية والإعلامية في ترسيخ ثقافة احترام الخصوصية في لحظات الموت كما نحترمها في لحظات الحياة.

الموت حق، والحزن فطرة، وكرامة الإنسان لا تنتهي بموته، بل تمتد إلى أسرته ومشاعرهم. ومن واجب المجتمع أن يكون عونًا لهم، لا عبئًا عليهم. إن احترام هذه اللحظات الخاصة، والامتناع عن الدخول غير المبرر إلى بيت المتوفى، هو سلوك حضاري، وإنساني، ودليل على وعي المجتمع ونضجه.

وفي النهاية، لنسأل أنفسنا قبل أن نخطو إلى بيتٍ يودّع أحد أبنائه: هل وجودنا ضرورة؟ أم أن احترامنا للمكان واللحظة يكون أبلغ حين نترك لأهل الفقد مساحتهم الكاملة للحزن والوداع؟.

وعلى الخير نلتقي، وبأخلاقنا وسلوكنا نرتقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى