
سوق مطرح..
رحمة بنت مبارك السلماني
رغم أنه لا يُعنى بتوفير الماركات العالمية ولا يأبه لمنافسة العلامات التجارية الشهيرة، إلا أنه لا زال يحظى بقبول خاص وجاذبية مختلفة ومتعة متفردة، لن تسعفك حواسك الخمس لاكتشافها عند التجوال بين ممراته وجنباته، والتبضُّع من دكاكينه ومحلاته، بينما تداعب أنفك الروائح العطرية للبخور والتوابل، وتلتقي بزوّار وسائحين من مختلف أنحاء العالم، وتستمتع باستنشاق نسيم الكورنيش المواجه للسوق، وتمتع ناظريك بجمال التفاصيل الكثيرة المتناغمة مع الطبيعة الأخّاذة، التي تحرسها قلعتي الجلالي والميراني بشموخ وهيبة.
يتمتع سوق مطرح التقليدي القديم بشعبية كبيرة لم تُزحزحها المراكز التجارية الفخمة، ولن تسلبها أُبَّهة المولات العصرية الحديثة؛ نظراً لتعدد البضائع والسلع وتنوع المنتجات فيه، مثل الأقمشة والملبوسات والفضيات والذهب والحلي والمجوهرات، والتحف والهدايا التذكارية والمستلزمات المنزلية، والأثاث والكماليات وألعاب الأطفال، والحبوب والبقوليات والقهوة والتوابل والبهارات، والأعشاب والأدوية الطبية الشعبية وغيرها الكثير، بالإضافة على محلات خياطة الملابس النسائية والرجالية.
تُعد زيارة سوق مطرح من المغامرات والتحديات الصعبة خاصة خلال مواسم الأعياد والمناسبات الدينية والاجتماعية وذلك للازدحام الشديد فيه؛ لضيق الطريق الداخلي المؤدي إلى السوق القابع وسط الأحياء السكنية، وأيضاً قلة مواقف السيارات، لتتحول الزيارة الممتعة إلى متاهة مرهقة يصعب العثور فيها على مخرج، ودوامة خانقة من الحصار المعدني الذي يكبح الحماس ويعيق الاستمتاع بسحر المكان، الأمر الذي يجعلك تعيد التفكير عشرات المرات قبل التخطيط لزيارة سوق مطرح، وتحديد الوقت المناسب لزيارته أو الوقت الأقل ازدحاماً على أقل تقدير، لتبرز مشكلة مواقف السيارات في السوق كمشكلة تطفو على السطح وبحاجة لتدخُّل سريع وحل جذري؛ كي لا تتفاقم المشكلة وتقصم ظهر البعير.
في الواقع إن مشكلة مواقف السيارات بسوق مطرح باتت مقلقة منذ أن تم إغلاق مواقف مبنى الشجيعية بسوق مطرح الذي تم هجره منذ سنوات، ثم بعد ذلك تم إغلاق جميع المحلات التجارية في الدور الأرضي من المبنى، والتي كانت تشهد حركة تجارية نشطة بشكل دوري، كما كانت تُمثّل وجهة مهمة للكثير من مرتادي سوق مطرح، إلا أنها أصبحت مهجورة تسكنها القمامة والفوضى والتخريب وتسرح وتمرح فيها قطط الشوارع والكلاب الضالة.
في المقابل هناك سؤال ظل يردده معظم مرتادي سوق مطرح لسنوات؛ أملاً في الحصول على إجابة، لماذا لا يتم إعادة تأهيل أو بناء ذلك المبنى واستغلال تلك المواقف لحل أزمة المواقف في سوق مطرح؟!، ربما يكون ذلك حل جيد خاصة وأنها تصبح أكثر تعقيداً في أوقات الذروة وخلال أيام الأعياد والمناسبات؛ لكثرة زوّار السوق من مختلف ولايات السلطنة في تلك المواسم، بالإضافة إلى السياح العرب والأجانب من مختلف أنحاء العالم.
في الواقع إن تم إعادة بناء مبنى مواقف الشجيعية وتطويره طبقاً للمواصفات العصرية واستغلاله الاستغلال الأمثل، لساهم في حل الكثير من الاختناقات المرورية، واكتظاظ السيارات في سوق مطرح لساعات بسبب البحث عن موقف لسيارة، حيث يمكن تحويله لمواقف خاضعة للرسوم وتنظيم المداخل والمخارج فيه بصورة تجعل حركة المركبات أكثر سلاسة وانسيابية، كما يمكن تحويله إلى تحفة معمارية فنية بتصميم عصري فريد من نوعه، ليكون أيقونة سياحية تضيف بصمة عصرية وجمال آخر إلى سوق مطرح الشعبي، لينسجما معاً في تكوين لوحة تمزج بين الأصالة والحداثة، ويتم توسعته ليشمل أماكن للمقاهي والمطاعم وأماكن للاستراحة ولألعاب الأطفال ودورات مياه عامة وجسر علوي يمكّن المشاة من الدخول إلى السوق سيراً على الأقدام أو توفير مركبات صغيرة (توك توك) على غرار بعض المراكز التجارية المعروفة في السلطنة.
إن العمل على تطوير الأماكن السياحية والتجارية لا شك أنه سيُشكّل واجهة حضارية مشرّفة، كما أنه سيوفر العديد من الفرص الاستثمارية لتنشيط الحركة السياحية، وسيسهم في خلق مشاريع أخرى لتوفير فرص للباحثين عن عمل، وتشجيع رواد الأعمال لابتكار مشاريع اقتصادية جديدة وتقديم خدمات مميزة لمرتادي السوق، ولا شك أن عقول الشباب قادرة على الابداع وابتكار أفكار خلّاقة ومشاريع واعدة تعزز الشعور بالمسؤولية وتُساهم في تنمية الاقتصاد الوطني وإنعاش القطاع السياحي في السلطنة.
سوق مطرح ليس مجرد معلم تجاري أو سياحي تحتضنه محافظة مسقط، بل هو جزء من الثقافة والهوية العمانية التي نفتخر بها عبر الأزمان، ألم يأن الأوان أن تتحرك الجهات المعنية لإعادة تأهيل تلك المواقف المهجورة ليعود إليها ألقها وتسهم في حل أزمة مواقف السيارات؟ ألا يستحق سوق مطرح بكل ما يحمله من إرث وثقافة واقتصاد وعلاقات إنسانية، لا سيما أنه يقع في قلب مسقط أن يُدرج ضمن أولويات التطوير، وأن يُعاد إليه وهجه وتُبث فيه روح جديدة تتماشى مع رؤية عمان 2040، وأن يكون واجهة سياحية واقتصادية رائدة لسلطنة عُمان؟.









