بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

حين تُحارَب الكفاءة : بيئات العمل السامة وتآمر الغيرة ضد الموظف الموهوب

الدكتورة/ أمنـية سالـم

أستاذ بجامعة أم القيوين وخبير برئاسة مجلس الوزراء المصري

في بعض بيئات العمل، لا تكون المشكلة في نقص الكفاءات، بل في وجودها.
فالموظف النشط، الكفء، والموهوب قد يتحول من قيمة مضافة إلى “تهديد” غير معلن لمن حوله، خاصة عندما تسيطر ثقافة الغيرة المهنية، ويتحول العمل الجماعي إلى ساحة صراع خفي، تتلاقى فيها مصالح بعض الزملاء مع إدارة تفضل الولاءات والمصالح الشخصية على معايير الجدارة والكفاءة.

بيئة العمل السامة لا تُقاس فقط بضغط المهام أو كثرة الأعباء، بل بطبيعة العلاقات الإنسانية داخل المؤسسة. ومن أبرز سماتها :
* انتشار النميمة وتشويه السمعة بدل الحوار المهني.
* تهميش الإنجاز الفردي وعدم الاعتراف بالجهد.
* تحالفات غير رسمية تقوم على المصالح لا على الأداء.
* إدارة تتغاضى عن السلوكيات السلبية طالما تخدم مصالحها.

في هذا السياق، يصبح الموظف الموهوب هدفًا مباشرًا، لا بسبب ضعفه، بل لقوته وقدرته على الإنجاز والتميّز.

الغيرة المهنية، حين لا تُدار بشكل ناضج، تتحول إلى سلوك عدائي. فيبدأ بعض الزملاء في :
* التقليل من إنجازات الموظف الموهوب.
* نقل معلومات مشوهة أو مجتزأة للإدارة.
* عرقلة عمله أو حرمانه من الفرص.
* خلق صورة ذهنية سلبية عنه باعتباره “مزعجًا” أو “متمردًا”.
وتزداد خطورة هذه الغيرة حين تجد صدى لدى مدير لا يقيم الأداء بمعاييره الموضوعية، بل وفق ما يحقق له راحة شخصية أو توازنات داخلية.

المدير الذي يقدّم المصالح على الكفاءة يُعد أحد أهم أسباب ترسيخ البيئة السامة؛ فهو :
* يكافئ الولاء الأعمى لا المبادرة.
* يرى في الموظف الموهوب تهديدًا لسلطته أو صورته.
* يسمح بثقافة الإقصاء بدل المنافسة الشريفة.
وهنا تتحول المؤسسة من فضاء للإبداع إلى بيئة طاردة للكفاءات، تُدار بمنطق “من يُرضي المدير” لا “من يخدم العمل”.

استمرار الموظف الموهوب في بيئة كهذه يخلّف آثارًا خطيرة؛ منها :
* تآكل الدافعية وفقدان الشغف المهني.
* ضغوط نفسية قد تصل إلى القلق والاكتئاب.
* فقدان الثقة بالذات رغم الكفاءة الحقيقية.
* الهجرة المهنية الصامتة أو الاستقالة الفعلية.
* خسارة المؤسسة لعقول مبدعة كان يمكن أن تصنع الفارق.

كيف يواجه الموظف الموهوب هذه البيئة السامة؟..

رغم صعوبة الموقف، إلا أن المواجهة الذكية ممكنة من خلال :
1. التوثيق المهني : تسجيل الإنجازات والمهام والقرارات بشكل رسمي.
2. الالتزام بالاحتراف : تجنب الانجرار للصراعات الشخصية.
3. بناء شبكة دعم : داخل المؤسسة أو خارجها.
4. التواصل الواضح : مع الإدارة بلغة الحقائق لا العواطف.
5. تطوير الذات المستمر : كأداة قوة لا يمكن تجاهلها.
6. تقييم خيار الرحيل : حين تصبح البيئة مدمرة لا إصلاحية، فالانسحاب الواعي ليس فشلًا بل حفاظ على القيمة الذاتية.

وأخيرًا .. بيئات العمل السامة لا تقتل الإبداع دفعة واحدة، بل تستنزفه ببطء.
والمؤسسات التي تسمح بتآمر الغيرة، وتُقصي الكفاءة، تحكم على نفسها بالتراجع مهما بدا استقرارها ظاهريًا.
أما الموظف الموهوب، فمعركته الحقيقية ليست فقط في إثبات قدرته، بل في حماية ذاته المهنية والنفسية من بيئة لا تؤمن بأن الكفاءة حق، لا تهديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى