
فضاء الاتصال الرقمي…
هيام سلوم
في زمن العولمة تبدلت وصلة القلوب بوصلة الإنترنت، تبدلت المشاعر التي نعيشها بإعجابات، جاء التحول كالطوفان الذي يغمر القرية، يمحو العادات ،يبدل القيم. جاء كشتاء قارس يقسو على دفء المشاعر . كغيمة سوداء تحجب نور القلوب نعبر من عالم التواصل الحقيقي إلى فضاء الاتصال الوهمي، من دفء اللقاءات إلى برودة الشاشات.
أتذكر أيام الطفولة ،كيف كنا ننتظر زيارة الأقارب، كيف كانت القلوب تتلهف للقاء، كيف كانت العيون تشرق عند القدوم ،واليوم ،صارت الزيارة مجرد رسالة. واللقاء أصبح مكالمة.
والفرحة تحولت إلى إعجاب، كل ألوان الاتصال الباردة موصولة إلا قلوبنا . فذروة الإيمان أن تصل من قطعك، فكيف بمن لم يقطعك أصلاً؟
تحولت الشاشات إلى حواجز فصارت كالأسوار العالية، تبني جدراناً بين القلوب، تضع حواجز بين النفوس ،في بيوتنا نجلس معاً لكننا في الحقيقة نعيش في عوالم متوازية، العيون معلقة بالهواتف، والأصوات محبوسة في رسائل نصية. وصلة الرحم التي أمرنا بها الله تتحول إلى مجرد اتصال هاتفي او مسنجري تذكرت أيام الجامعة،كيف كنا نجلس في المقهى، نضحك، نتحاور ،نختلف، نتصالح ،واليوم صار التواصل عبر الشاشة ،يرسل الإيموجي بدل الضحكة ويكتب تعليقاً بدل الحوار.
الجد والجدة يجلسان في الصالة الكبيرة ،ينتظران زيارة الأحفاد، لكن الزيارة أصبحت رسالة “نحبكم” على الواتساب. الأخوة: يعيشون في مدينة واحدة، لكن لقاءهم الشهري أصبح مجموعة على التلغرام. الأصدقاء القدامى، كانوا يلتقون كل أسبوع،أصبحوا يتبادلون الصور ، صداقة بلا دفء، مئات الأصدقاء على وسائل التواصل بلا صديق حقيقي واحد،
الصداقات الرقمية كالزهور البلاستيكية، جميلة المنظر لكن بلا رائحة، نضرة الشكل لكن بلا حياة ،القدرة على الاختفاء عندما لا نرغب في الرد ،صداقات تعتمد على “الإعجابات” والتعليقات وعلاقات سريعة يمكن حذفها بنقرة واحدة.
تذكرت صديقاً قديماً، كنا نختلف ثم نتصالح، نغضب ثم نضحك ،واليوم إذا أزعجك أحد تحظره تحذفه، تنساه ، كأنه لم يكن. في المناسبات الحزينة أصبحت التعازي ترسل عبر الرسائل ،بدل أن تقدم بالزيارة. أما العلاقات العاطفية فتبدأ بطلب صداقة وتنتهي بحظر،
“العلاقة الصحية مع التكنولوجيا هي التي تمكننا من استخدامها كجسر لا كحاجز، لأن الإنسان يحتاج إلى نظرة العين، ودفء اللمسة، وحضور القلب وهذا ما لا توفره أي شاشة.
واكتشفت أن التكنولوجيا نعمة إذا أحسنا استخدامها ونقمة إذا أسأنا استغلالها أنها أداة كالنار يمكن أن تطعمنا أو تحرقنا. العلاقات الحقيقية تحتاج إلى لقاء، إلى نظرة ،إلى لمسة إلى حضور، وهذا ما لا يستطيع العالم الافتراضي تقديمه أبداً.








