
تجارة بائسة في ديمقراطيات فاسدة !
✍ حسين الذكر
أشار إلي الطبيب بعد دفع أجرة الكشفية مع عربون السكرتيرة الذهاب إلى صيدلية محددة وقد دفعت سعر الدواء أكثر مما ينبغي، فلم أناقش في بيئة لا تجيد فن الحوار والإقناع وربما تجرك إلى عواقب عشائرية أو جماعاتية وخيمة .. فضلت السكوت وشراء وجبة أخرى من صيدلية لا تبعد عن الأولى لمعرفة فارق السعر بين الصيدليتين وقد تبين أنه الثلث تقريبا .. قطعا العملية برمتها لا تتعلق بالصيدلي ولا الطبيب ولا المريض فكلنا بيئة واحدة تحتاج إلى انتجاع جذري في الآليات والقيم قبل التنفيذ !.
بعد انتهاء حفل توقيع كتابي ( ميكيافلية كرة القدم ) الذي أعده ترجمانا لصراخ أخوضه دون أن يسمعه احد .. استوقفني مشجع في الشارع قائلا : ( أستاذ صار لي خمسين سنة أشجع لم أسمع عن لاعب أو ناد أو مدرب اسمه ميكيافييلي.. فمن أين جئت لنا بهذا الاسم)؟! .
اتصل صديقي أستاذ الإعلام والفن قائلا : ( أعتذر لعدم تمكني من حضور حفل توقيع كتاب أراه ينبغي أن يعمم إلى قيادات الدولة كافة لغرض عم الفائدة ) .. ثم استفسر : هل تم شراء كتابك؟ فقلت : ( يا أخي إن تجارة الكتب والتأليف كاسدة بائرة خاسرة حتميا .. بل مجلبة الهم والتعب .. فأمة اقرأ لم تعد تقرأ .. لكننا ما زلنا نشعر بتأدية الواجب والأمانة اتجاه الأمة والإنسانية بعرق نابض لا يهدأ ما دمنا على قيد الحياة ) ..
كتب الدكتور علي الوردي : ( إن من يدخل السوق عليه أن يركن العقل جانبا .. فبيئة وقوانين وأخلاقيات السوق تختلف تماما عن موجبات الفكر ) .. فتلك تستهدف الربح – والربح أقرب إلى غاية تبرر الوسيلة – بمعزل عما يرفع التاجر من صور مقدسة أو سور وآيات محكمة على جدار محله .. القضية برمتها تتعلق بالحكومات وسعيها لخلق مدن فاضلة .. فلو ولد سقراط ( ذلك الحافي الاثيني الذي منذ ألفين وخمسمائة سنة ما زالت طروحاته تنهش عظام المتلونين والأدعياء والسفلة ) في زماننا وبيئتنا هذه سنجده يتسول من أجل لقمة العيش بأحد شوارع مناطقنا الشعبية إذ يمنع سيره في مفاخم أحياء العاصمة ) .
في الشرق الأوسط الجديد .. استجدت ظواهر تحت ستار وجلباب وعنوان ديمقراطي لم يكن معهود بمختلف مراحلنا السالفة .. فعلى سبيل المثال افتتاح الصيدليات وتوسعها بشكل عشوائي كيفي ينسجم تماما مع زيادة وتيرة مطاعم الفلافل والكنتاكي ومسيلات الدهون الممتدة بما يوازي مقاهي وكازينوهات ( الاركيلة واخواتها ) .. أما تجارة ( الوعي ) وإمكانية بيع الروايات والكتب سيما المترجمة أصبحت من معاجز القدر وأضحوكات الزمان وإن وجد النزر فعلى بسطيات سقراطية حتما تكون بائسة !.











