بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

نقطة شروع حرب عالمية جديدة ..!

✍ حسين الذكر

 

 

كنا نقرأ الثورات في ريعان الشباب مع ضغط الواقع وتشويه الحقائق بما ينسجم مع تزييف التاريخ وننظر للثورة الفرنسية بقدسية كبقية الثورات المصاغة بعناية فائقة في بطون أمهات الكتب .. بعد عقود الاعتجان بمحن السياسة وتطور الوعي بعيدا عن ربقة الموروث والتسليم القطيعي جعلني أعيد قراءة الكثير والفهم بشكل مختلف تماما عن صناعة الأبطال وفرضهم قهرا .. كما رفضت قاطعا سذاجة الثورة تأكل أبناءها ومنها معاجز (النابليونية ) المزعومة كوسيلة جديدة آنذاك لإعادة رسم خارطة العالم بصورة شبيهة لما يخطط لإعادة رسم الحدود أو إعادة توزيع قوى العالم الجديد.

بعد انتهاء مجلس عزاء الثورة الفرنسية وثوارها بمسرحية ما قبل نابليون وبعده تم إعادة تقسيم حصص المستعمرين وقد تحققت لبريطانيا السيادة المطلقة منذ منتصف القرن التاسع عشر المتمثلة بسيطرتها على البحار العالمية والتجارة الدولية وسيطرتها على النظام المصرفي العالمي والتحكم فيه . بعد 1860 ظهرت بوادر انتعاش اقتصادي ألماني ملفت للنظر .. وبما أن الدول الاستعمارية لا تنام ولا تغفل عن مقود بقاع ( العالم النائم أو المشغول بتطير الحمائم أو تفسير قدسية الغمائم ) .. تحرك البريطانيون للتأكد من التقارير الألمانية وبعد 1870 ثبت أن ألمانيا مست أخطر مسألتين تعنيان البريطانيين حينها المتمثلة بالسيطرة على البحار والتجارة الدولية وكذا المصارف ومعايير القيمة للعملة في العالم .

في ثمانينات القرن التاسع عشر نشرت دراسات عن اكتشاف وأهمية النفط المستخدم بديلا عن الفحم كمشغل أول للسفن الحربية والتجارية وما يعنيه ذلك بحرب الهيمنة الاستعمارية وسباق التسلح الذي لا تهاون ولا دين ولا عواطف فيه وقد زاد الطين بلة إعلان ألمانيا عن بدء مشروعها بسكة حديد (برلين بغداد) الذي زعزع الأوساط الأوروبية عامة والبريطانية خاصة .

بهذه النقطة تحديدا بدا الثور البريطاني بقمة هيجانه وصرح كبير مستشاري القيادة الاستراتيجية البريطانية الجنرال لافان : ( إن نظرة فاحصة لخارطة العالم ترينا التهديد الخطير الذي يشكله خط سكك برلين بغداد لمصالح التاج البريطاني ومستقبله في العالم كله ) .. لتبدأ الاستعدادات وتشكل اللجان وتتحرك الأجهزة السرية سيما بعد اكتشاف النفط بكميات هائلة في الخليج الذي أصبح محط اهتمام العالم الاستعماري لتنطلق الضغوط البريطانية بمختلف الأساليب المتجذرة بعقلية الغاية تبرر الوسيلة ..

حتى قال المستشار الألماني الشهير بسمارك ردا على الإجراءات البريطانية : ( إن الشرط الوحيد الذي يمكن أن يحسن العلاقات البريطانية الألمانية هو لجم وكبح تطورنا الاقتصادي وذلك غير ممكن ) .. من هنا انطلقت شرارة التحضير للحرب العالمية الأولى وإعادة تقسيم ثروات العالم بين المستعمرين وفقا لنتائج الحرب المتوقعة .

تحركت الدبلوماسية بعقد خارطة تحالفات تنسجم مع الواقع والمستقبل كما حركت الاستخبارات البريطانية خيوط حرب البلقان تلك المنطقة الرخوة ( اليونان وصربيا وبلغاريا ) كخط شروع للحرب الكونية .. ثم جردوا الدولة العثمانية من كل شيء كما تم تعيين الشاب ونستون تشرشل كقائد للبحرية البريطانية فيما تم إيهام العرب بمشروع الثورة العربية الكبرى في الحجاز ..

في ذات الوقت الذي كانت الدول العظمى وقياداتها الوطنية تبحث عن مصالح بلدانها لما بعد الحرب القادمة . أصبح أهالي بغداد في أحد الأيام بداية القرن العشرين – كما يروي د علي الوردي – على إعلان الاحتفالات العامة في بغداد وقد ملأت الزينة شوارع ومقرات الدوائر العثمانية فيما كبرت الجوامع وأطلقت المدفعية وتعالت الأهازيج بجموع الأهالي الذين خرجوا احتفالا باستقبال بعض شعيرات مقدسة من رأس أحد الأولياء مرسلة هدية إلى العراقيين بوقت كانت حالات الطوارئ العالمية قد أعلنت للشروع بالحرب التي مثل اغتيال وريث العرش النمساوي فردينيناد في 28-تموز-1914 إيذانا بإشعال فتيلها بين القوى العظمى لتقسيم عالمنا العربي الذي ما زلنا نائمين حد الثمل فيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى