بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

العمل الأهلي بين الحضور الشكلي والمشاركة الحقيقية.. قراءة في عزوف الأعضاء عن الجمعيات العمومية

خالـصـة الصـلـتـي

 

لم يعد عزوف الأعضاء عن حضور اجتماعات الجمعيات العمومية في العمل الأهلي ظاهرة يمكن ردّها إلى ضعف الوعي أو التقصير الفردي، بل أصبح مؤشرا واضحا على خلل أعمق في بنية المشاركة داخل جمعيات المجتمع المدني. فحين يتكرر الغياب ويتحول إلى نمط مألوف في أكثر من جمعية، ويقابل بالتجاهل ذاته من الجهات المعنية، يصبح من الضروري الانتقال من مساءلة الأفراد إلى تفكيك المنظومة التي أنتجت هذا الواقع واعتادت عليه.

هذا العزوف لا يتشكل فجأة، بل ينمو تدريجيا عبر مسار تتراكم فيه تجارب يشعر خلالها العضو بأن حضوره لا ينعكس أثرا حقيقيا، وأن مشاركته لا تمتد إلى مسار القرار. ومع مرور الوقت يتكون إدراك بأن القرار لا يُصنع في فضاء مفتوح، بل داخل دوائر محدودة، فيتجه كثيرون إلى الانكفاء عن المشاركة بوصفه تعبيرا ضمنيا عن فقدان القناعة بجدوى الحضور.

ماذا يقول لنا عزوف الأعضاء عن الجمعيات العمومية؟
يقول إن المشاركة حين تفقد أثرها تفقد معناها، وإن العلاقة بين العضو والمؤسسة تتحول من شراكة فاعلة إلى علاقة إجرائية، يحضر فيها الاسم ويغيب الدور، وتدار فيها الجمعيات العمومية بوصفها استحقاقا شكليا لا مساحة حقيقية للنقاش والمساءلة والتوجيه.

وُجدت جمعيات المجتمع المدني لتكون إطارا للعمل الجماعي وصوتا للمجتمع وأداة توازن في منظومة التنمية. غير أن الممارسة في عدد من التجارب تكشف عن انحسار هذا الدور، حيث تطغى الشكليات التنظيمية على جوهر المشاركة، وتدار الاجتماعات باعتبارها التزاما دوريا لا محطة مراجعة وتقييم. وحين لا يشعر العضو بأن وجوده جزء من مسار مؤثر، يتراجع شعوره بالانتماء، ويصبح الغياب سلوكا متوقعا لا استثناء.

أحد المحركات الأساسية لهذا الواقع يتمثل في ضعف المتابعة والمساءلة. فعندما لا تُراجع القرارات بشكل منهجي، ولا تُقاس نتائجها، ولا يُعاد النظر في مسارات العمل، تفقد المشاركة قيمتها، ويتحول الحضور من مسؤولية مؤسسية إلى خيار شخصي تحكمه القناعة الفردية لا الالتزام الجماعي.

ويتعمق هذا الخلل حين يشعر كثير من الأعضاء أن القرارات المتخذة لا تنعكس على رسالة الجمعية وأهدافها العامة، بل تميل في مسارها إلى خدمة مصالح ضيقة داخل مجالس الإدارة. ومع تكرار القرارات بذات الاتجاه، يتكرس انطباع بأن المجلس لم يعد يعمل كجهاز إدارة مؤتمن، بل كدائرة مغلقة تعيد إنتاج نفسها وتحافظ على مواقعها، وهو ما يخلّ بتوازن القوة داخل الجمعية ويضعف الثقة بجدوى المشاركة.

في هذا السياق تبرز صورة الكرسي الممتلئ والقاعة الفارغة بوصفها تعبيرا عن واقع مختل، حيث يستقر القرار في مقاعد محددة، بينما تغيب القاعدة الواسعة عن الحضور الفاعل. وهي صورة تكشف خللا في التصميم المؤسسي الذي يسمح بهذا الاختلال ويعيد إنتاجه.

ويزداد هذا الخلل حدّة حين يقابل العضو الواعي بدوره، الذي يطرح تساؤلات مشروعة حول أداء مجالس الإدارة وحماية المال العام، بسلسلة من الضغوط الممنهجة تهدف إلى تحييده أو إقصائه عن مسار المساءلة. ومع غياب تدخل فاعل من الجهة المعنية لحماية هذا الدور، تتراجع ثقافة السؤال، ويتحول الصمت من حالة عارضة إلى سلوك جماعي مفروض.

كما يسهم ضعف الشفافية في عرض المعلومات والنتائج، أو تأخرها، في تعميق الفجوة بين الأعضاء والجمعية. فالمشاركة لا تُبنى على الدعوة وحدها، بل على شعور حقيقي بالاطلاع، وبأن العضو شريك في الصورة الكاملة لا مجرد متلقٍ في نهايتها.

ويبلغ هذا الاختلال ذروته حين ننتقل من الممارسة إلى الإطار القانوني المنظم لاجتماعات الجمعيات العمومية، إذ يُعتبر الاجتماع الثاني صحيحا بحضور نسبة لا تقل عن 10% من الأعضاء. ورغم أن هذا النص قد وُضع لتفادي تعطيل أعمال الجمعيات، إلا أن الاكتفاء بهذا التمثيل المحدود لاتخاذ قرارات مصيرية، تشمل اعتماد التقارير الإدارية والمالية وانتخاب مجالس الإدارة، يفرغ مفهوم الجمعية العمومية من مضمونه الحقيقي.

فحين تُنتخب مجالس الإدارة، وتُعتمد السياسات، وتُدار الموارد، بحضور لا يمثل إلا جزءا يسيرا من الأعضاء، لا يكون مستغربا أن تُفرز هذه العملية مجالس إدارة ضعيفة من حيث التأهيل والخبرة، ولا أن يهبط مستوى الأداء العام للجمعيات. فضعف التمثيل يقود بالضرورة إلى ضعف القيادة، وضعف القيادة ينعكس مباشرة على فاعلية الجمعيات، التي يُفترض أنها تمثل الذراع الثالثة للدولة إلى جانب القطاعين العام والخاص، لا أن تتحول إلى كيانات هشة تُدار بالحد الأدنى من الكفاءة والتأثير.

الإشكالية الأكثر خطورة لا تكمن في وجود هذا النص القانوني بحد ذاته، بل في تحوله من استثناء تنظيمي إلى قاعدة مريحة، تسمح بتمرير القرارات وتجديد المجالس في ظل عزوف الأغلبية، دون تحفيز جاد على توسيع المشاركة أو معالجة أسباب الغياب.

العمل الأهلي لا يُقاس بعدد الأعضاء المسجلين ولا بعدد الاجتماعات المنعقدة، بل بعمق المشاركة، وبجودة القرار، وبقدرة المنظومة على حماية المال العام، وبناء ثقة متبادلة بين الإدارة والأعضاء. وكلما ضعفت هذه العناصر، تراجع الدور الحقيقي للجمعيات، وتقلص أثرها المجتمعي.

إن استعادة الدور الحقيقي للجمعيات العمومية تتطلب مراجعة جذرية متزنة للمنظومة برمتها، تشريعيا وتنظيميا ومؤسسيا. مراجعة تعيد النظر في نصاب الاجتماعات وصلاحياتها، وتربط اتخاذ القرارات المصيرية بتمثيل أوسع، وتحمي حق المساءلة، وترفع معايير القيادة والكفاءة. فحين يشعر العضو أن صوته مؤثر، وأن حضوره يصنع فرقا، وأن الجمعيات تقوم بدورها كشريك تنموي حقيقي، تعود القاعات إلى الامتلاء، لا بالأجساد فقط، بل بالمعنى والدور والمسؤولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى