
حارة الرمل بولاية عبري.. “رؤية شخصية في ذاكرة المكان (6) “سدرة حارة الرمل”
الكاتب أ. عصام بن محمود الرئيسي
مؤلف أعمال متخصصة في المراسم والبروتوكول
ضمن حديثنا عن حارة الرمل عزيزي القارئ، لا نقف عند البيوت والأزقة فحسب، بل نعود إلى تفاصيل صغيرة شكّلت روح المكان وسكنت الذاكرة. ومن بين هذه التفاصيل تبرز سدرة حارة الرمل، لا كشجرة عابرة، بل كشاهدة صامتة على زمنٍ طويل، ورفيقة لأهله في يومياتهم وتحولات حياتهم.
ومن ذاكرة المكان، نحاول في هذه السطور استعادة حضورها ودلالتها، كما عاشت في الوجدان قبل أن تكون جزءًا من الطبيعة. حيث شجرة السدر بشكل عام ليست حديثة العهد على البيئة العمانية، فهي من الأشجار المعمرة التي تحتمل حرارة الجو وجفاف التربة، وقد ورد ذكرها في الثقافة الإسلامية، مما أكسبها مكانة رمزية إضافية، ويتراوح متوسط عمرها بين 50 إلى 100 سنة، لكن في الظروف المناسبة من التربة والماء والحماية من الآفات، يمكن أن تعيش أكثر من 200 سنة، وهناك شواهد تاريخية لِسُدُر معمرة تجاوزت ذلك بكثير.
وفي الوجدان العماني، ارتبطت السدرة بالهدوء والوقار، فهي شجرة لا ضجيج فيها، تحنو على من تحتها، وتشهد الحكايات في صمت، ولهذا كانت محلّ إجماع وجداني في الحارات العمانية، ومنها سدرة حارة الرمل بولاية عبري بمحافظة الظاهرة التي لم تكن فقط شجرة، بل شاهدًا حيًا على عقودٍ من الحياة، والولادات، والموت، والمناسبات، والخطوات التي مرّت من تحتها في صمت، ففي قلب حارة الرمل، وقفت سدرة حارة الرمل شامخة كأنها شاهدٌ حيّ على سكون الأزمنة وضجيج الحياة.
ولم تكن مجرد شجرة، بل روحًا نابضة بالحياة اليومية لأهل الحارة. وكانت في الماضي عريضة ومتفرعة، وظلها الواسع يمتد حتى يصل إلى الجهة المقابلة، فشكلت ظلاً كبيرًا يلتف تحته أهل الحارة، وتحت ظلها أقيم مسجد صغير عُرف بـ مسجد سدرة الرمل، وهو مسجد قديم بُني منذ زمن بعيد، يجتمع فيه المصلّون طلبًا للسكينة، وتحيط به نفحات الظل وعبق الذكريات.. وعلى مقربة منها، ينبض فلج المفجور بحياته، يجري الماء فيه برتابة تشبه نبض القلب، يسقي الأرض والناس وقبالة المسجد، وُضع المشرع – ويسمّى محليًا “المشارع” – وهو عبارة عن ساتر بني من الطين والحجر قبالة الفلج مباشرة، يتوضأ منه الناس قبل دخولهم إلى بيت الله، وكان أيضًا موضع استحمام، وملتقى لأهل الحارة، وموضعًا لأحاديث الصباح والمساء. هناك بين خرير ماء الفلج وهمس الظلال، كانت تنسج ذكريات لا تُمحى من ذاكرة المكان والزمان.
وكانت السدرة نقطة التقاءٍ للمارين، ومحطةً يستريحون فيها من عناء الطريق، يروون فيها عطشهم، ويتبادلون الأخبار والقصص والضحكات. أما ساكنو الحارة، فقد كانت لهم مألفًا ومأوى، يجلسون تحتها في هدوء المساء، يحكون الحكايات للصغار، ويخطّون أحلامهم على ترابها، لم تكن هنالك لافتات أو علامات تدل على مكانها، فهي معروفة لكل من في الحارة، ومكانها محفوظ في ذاكرة الكبير والصغير، ويقول أحد كبار السن من أبناء الحارة: “إذا لم تجد صديقك في بيته، فابحث عنه عند السدرة”. وهكذا كانت، مكان التقاء وجلسة بعد الظهيرة، وبعد كل صلاة ومقصداً لأولئك الذين أنهكتهم شمس الصيف أو أثقلتهم أخبار الأيام.
لم تكن سدرة الرمل مجرد شجرة وارفة الظلال، بل كانت مسرحًا مفتوحًا لعوالم الطفولة البريئة، حيث تتعالى الضحكات وتتشابك الأيادي في حلقات الألعاب الشعبية. هناك، تحت أغصانها، تتعالى الأصوات في تنافس شغوف، وسط تصفيق وتشجيع من الصغار والكبار. كان المكان ينبض بالحياة، فالسدرة لم تكن مجرد مَعْلم طبيعي، بل ركنًا من ذاكرة الطفولة الجمعية، تأوي إليه أرواح الصغار الباحثين عن متعة اللعب وجمال الصحبة.
وتبقى تلك اللحظات محفورة في الذاكرة، حين كانت الأرض تُنقش بالأقدام الصغيرة، وتُرسم البهجة على وجوهٍ ما زالت تذكر “سدرة الرمل” كمهدٍ للفرح ونبضٍ للذكريات.
في مواسم الأعياد، كانت سدرة الرمل تتحول إلى قلب نابض بالفرح، وملتقى لأهالي الحارة من كبار وصغار. تُفرش الحصائر تحتها، وتُقدَّم القهوة والتمر، وتتبادل التهاني في أجواء مفعمة بالألفة. تحت ظلالها يتحرك الأطفال فرحًا بملابسهم الجديدة، يركضون بين الحضور ويتشاركون ألعاب العيد.
كانت السدرة أشبه بمنصة تراثية، يجتمع عندها الجميع، يُحيون العادات ويغنون للعيد والوطن، حيث تنسج اللحظات بخيوط من الودّ والفرح، وتُحفظ في الذاكرة الجمعية كرمز حيّ للبهجة والمشاركة الاجتماعية الأصيلة.
لقد كانت سدرة حارة الرمل أكثر من معلم طبيعي؛ كانت ذاكرة جماعية، ومكانًا اجتمعت فيه روح الدين والماء والناس، في صورةٍ بسيطة، لكنها عميقة الجذور في وجدان المكان. وتُعدّ من الرموز التراثية والاجتماعية البارزة في ذاكرة أهالي حارة الرمل في ولاية عبري.
على الرغم أن المصادر الرسمية عنها قد تكون محدودة، إلا أن الذاكرة الشفوية والسرد المحلي تحمل الكثير من الدلالات حول “سدرة الحارة”، ويمكن تلخيص أهم ملامحها كالآتي: سدرة حارة الرمل: ظلّ يستظل به الزمن: وتحت ظلّ هذه السدرة، كانت الحياة تُدار. يجتمع رجال الحارة في الأماسي، تُبادر فيها الحوارات، وتُطرح الآراء، وتُناقش أمور الحارة، من قضايا السقي وتوزيع الماء، إلى المناسبات القادمة، والأخبار التي يجلبها العابرون من والى سوق عبري أو من الحارات المجاورة. هناك، تُعقد المصالحات، وتُنسج العلاقات، وتُبنى ثقة الجماعة في لحظاتٍ لا يسجلها التاريخ، لكنها راسخة في ذاكرة الناس.
وإذا أردنا عزيزي القارئ أن نلخص أبرز وظائفها والتي رواها لنا بعض من جاوروا تلك السدرة على مر السنين، معبرين عن ارتباطهم العميق بها وبدورها في حياتهم اليومية، فيمكننا ذكر ما يلي:
· ملتقى للسفر، حيث يُودّع المسافرون ويُستقبل القادمون.
· وفي الماضي كانت نقطة تجمع الطلاب الذين ينطلقون جماعات إلى المدارس في زمن قلّت فيه وسائل النقل.
· كانت السدرة تُستخدم في بعض العلاجات الشعبية، مما أضفى على المكان روح الحياة والدفء الاجتماعي.
· مجلس شعبي طبيعي فتحت ظلالها يجلس رجال الحارة في فترة العصر، يتسامرون ويتداولون شؤونهم.
· علامة مكانية حيث يقول الناس “قرب السدرة” أو “عند السدرة” للدلالة على نقطة التقاء أو مكان مميز في الحارة.
· ذاكرة حية كانت شاهدة على المناسبات، والأحاديث، وربما بعض المشاورات العرفية أو المجتمعية.
· استراحة طبيعية للمارّين من والى السوق أو العائدين من الضواحي المجاورة وكذلك الاغراب الذين يأتون من خارج الولاية بركابهم.
السدرة التي لا تزال شامخة مع تغيّر شكل الحارة، وتعاقب السنين وتبدّل الأحوال، وانتقال أهلها إلى المخططات الحديثة، لا تزال سدرة الحارة واقفةً في مكانها، شامخةً… كشاهدٍ على ذاكرة المكان وأهله. صحيح أن بعضًا من فروعها وأغصانها بدأت تذبل وتغيب شيئًا فشيئًا، وقد نال منها الضعف كما ينال من كل حيّ، لكنها ما زالت تمدّ ظلالها على من يمر تحتها، وكأنها تُصرّ أن تبقى حارسةً لحكايات الطفولة ومجالس الكبار وأهازيج العيد تحت ظلّها.
السدرة كموقع رمزي للربط بين الأجيال
من الجميل أن نُعيد إحياء هذه الرموز في وجدان الجيل الجديد. قد لا يدرك أبناؤنا معنى الجلوس تحت ظل شجرة في وقت المساء، ولا كيف كانت السدرة مكانًا للحوار والتربية غير المباشرة. لكن حين نروي لهم قصة سدرة حارة الرمل، فإننا لا نحدّثهم عن شجرة، بل نحدّثهم عن قيمة اللقاء، وأدب المجلس، واحترام الكبير، وجمال البساطة.
وعلى الخير نلتقي، وبالوفاء نرتقي …









