
النكتة اليهودية.. وفقا لفرويد: وسيلة دفاعية ومعارضة صامتة!
✍ حسين الذكر
الطرفة أو النكتة أو النوادر الفكاهية المجتمعية تنشأ وتتطور وتتداول عادة في بيئة مضغوطة وأنظمة شمولية أكثر مما هي عليه في الفسح الديمقراطية وذلك ما عشناه ولاحظناه في سنوات ومراحل حياتية متعددة حينما كانت الشعوب تلجأ إلى ( النكتة) ليس كتنفيس مشاعر بل ترجمان لواقع حال لا يمكن التعبير عنه إلا بالنكتة ( بالقرقوشيات ) السياسية والاجتماعية التهكمية منها وإن لم تكن بطريقة وصياغة مباشرة.
حسب ما تذكر كتب تاريخية أن اليهود كطائفة دينية تعرضوا إلى كثير من الوحدة والانعزال القسري والإجراءات التعسفية في أوروبا، بصورة جعلت من انتشار النكتة نتاجا ومخرجا طبيعيا لما يتعرضون له وقد كتبت عديد الكتب عن النوادر والطرائف اليهودية وترجمت إلى لغات عدة : الفرنسية والإنجليزية والألمانية .. وقد ذكر ان فرويد حللها : ( إلى أن الضحك نتاج الفكاهة اليهودية يعد وسيلة دفاعية يلجأ إليها المظلوم كي لا يبكي .. فيما قال بعض الأدباء إن الفكاهة تؤدي دورا تعليميا وتربويا غير ممكن الإفصاح عنه مباشرة)..
وقع بين يدي كتاب ( الفكاهة اليهودية ) لمؤلفه جوزف كلازمن وترجمه د . محمد حمود طبعة بيروت – دار مجد المؤسسة – 2009 .. يعبر عن الموجز المشار إليه .. وقد جاء فيه : ( طلب من أربعة رجال فرنسي وإنجليزي وألماني ويهودي كتاب نص عن الفيلة .. فكتب الفرنسي الحب عند الفيلة .. فيما الإنجليزي كتب . الفيلة والتجارة الدولية .. فيما الألماني كتب .. مدخل إلى تاريخ الفيلة .. أما اليهودي فكتب .. الفيلة والمسألة الصهيونية)، في إشارة مضحكة مبكية معبرة عن فقراء اليهود في روسيا خلال القرن الثامن عشر قال أحد حكمائهم :- ( إذا أكل فقير فروجا .. فهذا يعني أن أحدهما مريضا ) !.
في الكتاب الذي عنون للفكاهة حصرا وجدت فيه رسائل عدة جديرة بالقراءة سيما ما يمكن أن توفره من حقائق اجتماعية هادفة ذات مسار سياسي بحت وإن ظهرت بزي ديني سافر، في إحدى الطرائف : ( قدم رجل إلى الحاخام بشأن أرملة مدقعة وبحاجة ماسة إلى دفع الإيجار ومهددة بالطرد من المنزل إن لم تدفع خلال أيام … تأثر الحاخام ووعده باستنفار أبناء جماعته، وحتى يتم ذلك أعطاه شيئا من المال ليقدمه إلى تلك المرأة .. ثم سأله الحاخام .. كيف عرفت ذلك عنها .. فقال الرجل : لأني أنا صاحب المنزل) .
هناك الكثير من العناوين والمصطلحات في الواقع والمجتمع اليهودي طريفة وتستحق الاطلاع عليها :- ميلاميد :- معلم ديني صغير ممكن أن يؤدي أدوارا وواجبات دينية محددة ويوجه أبناء جاليته نحو تعلم تعاليم دينهم. الشنورير .. ليس شحاذا يمد يده بالشوارع وليس متسولا .. لكنه مستعط يطلب المساعدة المادية .. يقال إن أحدهم ذهب إلى برجوازي يهودي ، فقال له البرجوازي : ( خذ هذا بنطالي جديد لم أستخدمه كثيرا وهو من النوع الثمين ) .. فشكره الشنورير قائلا : ( شكرا لك لكن اصنع معروفا آخر ، فقال البرجوازي .. تفضل ماذا تريد بعد ، فقال له المستعطي : انظر هذا البنطلون جديد وثمين وموديله حديث اعمل معروفا واشتريه مني لأنك أكثر الناس معرفة به ) .
الشاهكهين .. هو الوسيط لعقد الزيجات وتسهيل مهمة التعارف وتقريب وجهات النظر والزواج وفقا للشريعة . الشليميل .. هو قليل الذكاء الأخرق .. يقال إن أحدهم يمشي مع صديقه فمطرت السماء ، فقال له لماذا لا تفتح مظلتك .. فرد عليه الأحمق : ( إنها مليئة بالثقوب ولا فائدة من فتحها ) .. فرد عليه إذا لماذا تحملها أصلا : ( ظننتها لا تمطر ) .
حسب ما جاء في الكتاب أن الدين يحتل منزلة عالية عند الجماعات اليهودية وإن كان ممزوجا بالمعتقدات الباطلة والخرافات .. مثل الخوف من العين الحاسدة وكان فاشيا بين يهود روسيا خاصة .. فإذا قال أحدهم لامرأة تحمل طفلها إن ابنك وسيم .. ترد فورا بعبارة ( باليدية) وهي مقاربة لمفردة ( كفانا الله شرك الشائعة في الشرق الإسلامي) .
الهاسيد ميسم : هي جماعة تدعو إلى الفرح والغناء يؤمن أتباعها بمعجزات الحاخامات .
وقد أنشد الهاسيد في إحدى المرات فرحا : ( خلق الإنسان من التراب وإلى التراب يعود ).. فاعترض أحد اليهود قائلا : إن هذه العبارة سبب للبكاء لا الفرح .. فأجابه الهاسيد : ( لو أن الإنسان خلق من ذهب ويعود إلى التراب حقا لك الاعتراض وكان فعلا هناك ما يدعو للبكاء ) .
في مؤلف الفكاهة اليهودية الذي كتبه بالعبرية الثير دريانوف المتوفى في تل أبيب 1938 ، كان لابد من توظيف مرتل ( الذي يؤدي الصلوات ملحنة موسيقيا ) .. وأريد تعيين أحدهم في كنيس جماعة صغيرة وكان هناك مرشحان للمنصب على كل منهما رذيلة بارزة .. الأول سكير والثاني تبع نساء .. وقد عرض الأمر على الحاخام كي يختار ، فقال بلا تردد : نختار تبع النساء .. فقالوا له لكن خطيئته أكبر من السكير .. فقال الحاخام صحيح لكن تبع النساء تضعف قوته بمطاردة النساء بمرور الوقت فيما السكير يزداد شراهة للشرب.
الشوفار .. هو قرن كبش ينفخ فيه ببعض احتفالات القداس .. وفي سياق إحدى المحاكمات ، ذكر المتهم كلمة ( الشوفار) فسأله القاضي ما هو الشوفار .. فقال هو الشوفار .. فألح عليه القاضي ..دون أن يملك اليهودي أي تعريف جديد .. أخيرا هدده القاضي إن لم تجب إجابة شافية سأدينك .. فقال حسنا ..: إنه بوق .. فقال له القاضي : إذا لم تقل بوق من أول الأمر فقال .. اليهودي .. (لأنه ليس بوقا)!.
قواس الكنيس : الذي يؤدي أدوار تعليم الصلاة والمشرف على أدائها وهو أداة للتوسط بين الكنيس والعالم الخارجي للمجتمع اليهودي، في زيارة للزعيم السوفيتي الشهير خروتشوف إلى مدينة تقطنها جالية يهودية كبيرة .. وقد طلب أن يقابل الحاخام ، فقال له اليهود لا حاخام لدينا .. فتعجب خروتشوف من ذلك فقالوا : لقد مات حاخامنا ولم يحل أحد محله ؟ .. عندها التفت الزعيم ووجه سؤاله إلى السكرتير العام للحزب الشيوعي في تلك المقاطعة وكان مرافقا له بالزيارة : لماذا لم تعينوا حاخاما هنا . فجاء الجواب : لدينا ثلاثة مرشحين للمنصب لم يستوفوا الشروط، أحدهم كان يحمل درجة الحاخام لكنه ليس عضوا في الحزب .. والثاني كان عضوا في الحزب لكنه لا يحمل درجة الحاخامية .. أما الثالث فكان يحمل درجة الحاخامية وعضوا بالحزب لكن لديه مشكلة معنا تمنع من تعيينه ، فقال خروتشوف وما هي المشكلة .. فقال السكرتير : (لأنه يهودي).










