بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

‏لحظة الانكسار الغربي

الدكتور عدنان بن أحمد الأنصاري

محلّل سياسي ، دبلوماسي ، وسفير سابق

 

‏العالم لا يدخل فوضى بل ينتقل إلى ترتيبٍ بلا أقنعة.
‏من يفهم هذه اللحظة يدرك ثلاث حقائق :

‏1. النظام الدولي لم يسقط اليوم سقط ادعاؤه الأخلاقي فقط.
‏2. الغرب يواجه ما فرضه على غيره :
‏منطق الغلبة بلا وسطاء.
‏3. الدول الذكية – خصوصًا في الخليج والعالم الصاعد – ليست مدعوة للاصطفاف بل لإدارة التوازن.
‏المرحلة القادمة ليست صراع قيم بل صراع صيغ قوة.
‏ومن لا يمتلك صيغة حماية سيادته – اقتصاديًا أمنيًا ومعرفيًا – لن تنقذه أي مادة في ميثاق دولي.
‏لقد انتهى زمن السؤال: ما هو العدل؟
‏وبدأ زمن السؤال الأخطر: من يملك فرض تعريفه للعدل؟

‏من نظام القواعد إلى منطق الغلبة..

‏نحن لا نشهد أزمة عابرة في العلاقات الدولية بل لحظة انكشاف بنيوي في فكرة النظام العالمي ذاتها.
‏ما قاله رئيس وزراء كندا – بأن النظام الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية قد انتهى وأن الأقوياء يفعلون ما يشاؤون والضعفاء يعانون – ليس توصيفًا أخلاقيًا بقدر ما هو اعتراف متأخر بما كان قائمًا فعلًا منذ ثمانية عقود.

‏الجديد ليس سقوط القواعد بل سقوط احتكار الغرب لتفسيرها وتطبيقها.

‏هنا تحديدًا تدخل تصريحات دونالد ترامب في دافوس بوصفها الصدمة الكاشفة :
‏الغرب يتذوق اليوم من الكأس التي أسقاها للعالم طويلًا.

‏الواقعية حين تنزع الأقنعة
‏لم يكن النظام الدولي يومًا أخلاقيًا كان توازن مصالح مغطّى بلغة القيم.
‏الأمم المتحدة، التحالفات، وقواعد الشرعية الدولية كانت أدوات لإدارة التفوق الغربي لا أكثر. حين يقول ترامب – صراحة أو ضمنًا – إن القواعد لا تلزمه فهو لا يهدم النظام بقدر ما يسحب الغطاء الأخلاقي عنه.

‏في دافوس لم يتحدث ترامب كرجل دولة ليبرالي بل كـ مدير إمبراطوري :

‏صفقات رسوم أمن مقابل ثمن وحلفاء مقابل طاعة.

‏هذه هي الواقعية العارية التي ترامب يمارسها عمليًا بلا مواربة.

‏ثانيًا : عودة التاريخ وانتقام الذاكرة..

‏الغرب حين ينسى تاريخه الاستعماري سيتفاجأ بعودة التاريخ على نحوٍ انتقامي.
‏ما يحدث اليوم هو ارتداد المركز على ذاته :

‏• القواعد التي سُحقت في آسيا وافريقيا والشرق الأوسط تُسحق الآن في أوروبا.
‏• السيادة التي أُهينت لدى الضعفاء تُهان داخل الحلف الغربي نفسه.

‏ترامب لا يؤدّب الغرب أخلاقيًا لكنه يكشف هشاشته الحضارية :
‏حين تُنتزع القوة لا يبقى من القيم سوى الخطب.

‏ثالثًا : ما بعد الليبرالية ونهاية العالمية الغربية..

‏إن الليبرالية لم تعد أيديولوجيا كونية بل هوية محلية غربية مأزومة.

‏ترامب من هذه الزاوية ليس انحرافًا بل ذروة التحول :
‏• سخرية من التعددية.
‏• ازدراء للمؤسسات العابرة للدول.
‏• تفكيك لتحالفات مثل حلف شمال الأطلسي باعتبارها عبئًا لا رافعة.

‏في دافوس حيث تُدار رمزية العولمة جاء ترامب ليقول :
‏العالم يعود إلى الإسلام التكتلات لا إلى القواعد.

‏رابعًا : دافوس .. من معبد القواعد إلى مسرح الإهانة.
‏ المنتدى الاقتصادي العالمي كان تاريخيًا منصة نخبة القواعد حديث عن العدالة، المناخ، الشراكات.

خطاب ترامب هناك كان قلبًا للرمز ..

‏• القوانين الدولية ؟ تخضع للمصلحة.
‏• التجارة ؟ أداة ضغط.
‏• الأمن ؟ سلعة.
‏بهذا المعنى لم يُهِن ترامب الآخرين فحسب بل أهان المكان نفسه بوصفه رمزًا لعالمٍ ينهار.

‏خامسًا : الأمم المتحدة مؤسسة المنتصرين التي لفظها أحدهم.
‏إنكار ترامب العملي لشرعية الأمم المتحدة ليس جديدًا؛ لكنه اليوم معلن وفجّ.
‏المنظمة التي أنشأها المنتصرون بعد هتلر لضبط القوة باتت عاجزة عن ضبط أقوى من أنشأها.
هنا المفارقة التاريخية :
‏الغرب يشكو من تحلل القواعد التي لم يطبقها يومًا إلا على غيره.

‏سادسًا : منطق القوة الجائرة لا قوة القانون..

‏ما نراه ليس عودة الاستعمار بالمعنى القديم بل استعمار بلا خطاب أخلاقي.
‏ترامب لا يبرر لا يعتذر لا يموّه.
‏هذه هي الصدمة الحقيقية للغرب الليبرالي:
‏• كان يفرض القوة باسم القانون.
‏• ترامب يفرض القوة بدون اسم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى