بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

شيء في التحليل .. زمن المأسسة.. وأزمة المؤسسة!

✍ حسين الذكر

 

 

يقال إن المعلم أرسطو أول من وضع علم التصنيف ومنه فتح باب الإحصاء بعد أن توغل في الحدائق يصنف الحيوانات أو الأحياء غير الإنسانية بطريقة أخرى تمهد لغزو ثقافة الآخر .. تحت عنوان كل السبل مشرعة من أجل سيادة الإنسان .. ذلك الكائن الذي ما زال غريبا على الأرض برغم مرور كذا من القرون والعصور غير المحددة .. حتى قيل فيه : ( أتحسب نفسك جرما صغيرا وفيك انطوى العالم الأكبر ) .

أولا استطلع البيئة .. ثم فرق بين الإنسان وغيره من شركاء المحنة الأرضية .. ولمقتضيات الحاجة أم الاختراع … أخذ يحدد ملامح من يطير ومن يمشي منها .. ثم فرق بين المفترس والأليف .. بعد ذاك حدد بيئة كل في البحر والبر والجو .. على طريق التخصص والتدقيق والشرح والتفسير … بحثا عن فائدة الإنسان أولا ومن ثم الغوص عمقا وشرق وغربا .. فكل السبل ينبغي أن تكون مشرعة لإدراك فحوى سر الخليقة والبحث عن مشتركاتها لبلوغ الحقيقة الكبرى .. كهدف أسمى ودليل تمام الوعي.

من هو المحلل : – على طريقة د علي شريعتي: فإن المؤرخ : بالنسبة له ليس ذلك الذي يجمع ويحصي المعلومات التاريخية التي يحصل عليها باجتهاد شخصي تخصصي أو عبر وسائل تقنية .. هو يسميه ( جامع معلومات تاريخية ) أو مؤرشف وله أفضلية ذلك .. لكن من يقرأ النتائج ويقارن بينها ويتتبع علاقتها وتأثيرات كل منها ويحدد المشتركات ويفض الاشتباك الاشتباهي بينها ويضع العلاجات الناجعة المستقبلية … إذا هو ليس الصيدلي ولا الإعلامي ولا لاعب كرة القدم ولا أية مهنة اختصاصية لطلب العيش كوسيلة ارتزاق . . فذلك شيء أكبر منه : إذ هو الواعي الذي يجتهد بفكره للاطلاع على الحقائق الإنسانية أغلبها إن لم يكن كلها إن استطاع لذلك سبيلا .ليس لغرض الاطلاع بل تحسين واقع الإنسان وبيئته كرسول عقل وروح وفكر ومادة .

في السياسة: سيما في عهد الانفلات وإلغاء الكفاءات والشهادات والتخصصات.. أصبحت السبل مشرعة لإدراك العنوان أي عنوان كان .. فملايين العراقيين والعرب … أصبحوا في ظل نعمة الفيس بوك ومواقع التواصل يحملون عنوانا صحفيا وإعلاميا .. وذلك ليس تجنيا .. بل ينطبق تماما على الممارسة وكل التعريفات العربية القديمة للصحفي التي ما زالت تتحدث عن ذلك الشخص العامل في مجال نقل وتداول ونشر المعلومات الصحفية دون أن يكون له مورد عيش غير ذلك المنفذ ..

بالتأكيد فإن غزير المعلومات والأخبار السياسية المنقولة عبر وسائل الإعلام يعد مثقفا وربما مثقفا جدا في الأخبار السياسية . ولكنه ليس عالما بفنون السياسة .. فضلا عن كونه ليس محللا استراتيجيا .. إلا بحدود التحليل الضيق أو بالأحرى تفسير الأحداث وإمكانية ربطها مع بعض والحديث عنها بمنحى معين قد يفيد للأخبار العامة فيه كمادة خام يمكن أن تلوكها الألسن وتتداولها الناس ..

أما سير الأحداث السياسية الكبرى ووضع خارطة طرقها المتوقعة على المستوى الاستراتيجي .. فهي عصية على من يعتاش على المهنة أو يبحث عن عنوان شهرة ورفعة اجتماعية … فالوعي لا يمت بصلة للخبز والكرسي .. وأنواع الشبق الاجتماعي المتعارف .. إنه يأبى أن يكون كذلك .. فعادة ما يؤدي افتقاد التمييز وضياع بوصلة الاس المتعالي إلى الوقوع في شراك تنافسي معتاد يؤدي حتما أن يفقدك التميز المعتاد ..

ربما شطح قلمي قليلا وانحرف أو بالأحرى خلط بين الأخلاق والعمل بمعنى تحري الخبر وكشف مساراته المستقبلية .. وذلك صحيح بنسب ما .. مع أني أعتقد يقينا بأن الأخلاق أهم دافع في بلوغ هدف العمل سيما الكبير والإنساني والعقيدي منه.

لا نقع في أية إشكالية ولا نريد المناورة وصناعة الإثارة أو تقليل الشأن .. فقط لنبلغ أنفسنا ونحسن إعداد ذاتنا بتحري ذلك ونفرق بين العقل المدرك المصنوع وفق منهجيات علمية أو عبر مهارات إبداعية متوارثة .. إذ إن العملية برمتها لا تخرج عن التفريق بين مجالين من عمل ارتزاقي للعيش .. وآخر واسع متشعب دقيق جدا واستراتيجي يتعلق في الوعي العام والتخصصي والمزج والاختمار العقلي المحظ مع تحري التوفيق من السماء في ذلك لبلوغ وقراءة قادم يمكن أن نحدد ملامحه ونسير باتجاهه ونتدارك أخطاره .. وفق قاعدة الإسلام الرائعة : ( عليكم بتقوى الله وتدبير أمور دنياكم ) .. قد يطول المقام وربما يفتح باب لا يسد في جدلية ليست بيزنطينية .. ولكن نحذر من تحويل التجمعات الانتخابية أو المهنية إلى عناوين متخصصة سيما في التخصص الدقيق.

ملاحظة أخرى مهمة : لا نقصد منع أو تخطئة تلك التجمعات بل فوائدها أكثر من ضررها .. شريطة أن توظف بشكل صحيح وتقاد بعين واعية .. وأن يتطور وينمى أصحاب العقول منها في دورات مكثفة وعبر أحدث تقنيات التحليل التخصصي الدقيق للوقوف على محض العقل التحليلي الاستراتيجي والتكتيكي منه ..
والله ولي التوفيق وهو من وراء القصد .. !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى