بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

كيف نتخلص من سهام الماضي وآلامه ؟

هيام سلوم

 

 

كانت لي صديقة مقربة شاركتها سراً عميقاً، كان بمثابة جرح مؤلم لم أستطع حمله وحدي ،وثقت بها كأخت، وفي إحدى الجلسات النسائية، وسط ضحكات وثرثرات، سمعتها تروي قصتي، مشوَّهة، كأنها تقدم فاصلًا درامياً لتسلية الحاضرات، صمتت الدنيا حولي، شعرت أن الأرض تبتلعني، كان الانكسار مزدوجاً انكشاف السر، وانكشاف خيانة الصديقة.

مرت السنون ،جاءت اعتذرت، وبكت دمع تائب، وبعد صراع طويل مع نفسي، قررت أن أسامحها، لكن، كلما رأيتها، أشعر بوخزة في القلب، الذاكرة تطفو كجثة في بحيرة، لا تريد أن تبقى في القاع.

هنا تكمن المفارقة العظيمة، نظن أن المسامحة يعني النسيان ،أن تمحو الحادثة من ذاكرتك كما تمسح الكتابة من اللوح ،ولكن هذا مستحيل بيولوجياً ونفسياً، الذاكرة الجارحة تترك ندبة في نسيج الوعي ،المسامحة الحقيقية ليست محواً للتاريخ، بل هو تغيير لطريقة سرد هذا التاريخ داخلياً. فالذاكرة تتذكر ما فعلت؟ تتذكر الألم؟

لكن القلب لا يسمح للتذكر بأن يتحكم في الحاضر، يصبح التذكر من موقع القوة، لا من موقع الضحية. أتذكر وأنا أشعر بالسلام، لا بالغضب ،أتذكر لأتعلم، لا لأتألم.” قبل المسامحة ، تكون الذاكرة سجناً ،تزورك الصورة المؤلمة، تعيدك إلى لحظة العجز،تسجنك في زمن ماضٍ لم يعد موجوداً.

بعد المسامحة،تتحول الذاكرة إلى مكتبة حكمة ،تزورك الصورة نفسها، ولكنك تنظر إليها من بعيد، كقارئ ينظر إلى فصل في كتاب مؤلم لكنك تقول هذه التجربة ،علمتني أن الثقة كنز لا يعطى لكل أحد، علمتني أن الجروح تشفى ولكن تترك أثراً ،هذه الحكمة تصبح جزءاً من ذخيرتك الإنسانية، ترشدك في علاقاتك القادمة دون أن تشلّك.

إن النسيان التام، ربما يدل على أن الجرح كان سطحياً، أو أنك تهرب من مواجهته، وهذا الهروب قد يعيد الجرح في صورة

صديقتي التي سامحتها، ولكنني لا أستطيع نسيان ما فعلت،الفرق بين الذاكرتين، هو ذاكرة تحمل جمرة، وذاكرة تحمل لؤلؤة تشكلت حول حبة رمل مؤلمة، الجمرة تحرق، واللؤلؤة تزين؟”

إن التسامح لا يعني العودة إلى العلاقة وأن تفتحي ذراعيكِ لمن طعنكِ ليطعنك مرة أخرى، يمكن أن تسامحي وتختاري أن تُبقي مسافة صحية بينك وبين من آذاك ،وليس إجبار نفسك على الثقة به من جديد، الثقة شيء، والتسامح شيء آخر، يمكن أن تسامح من خانك، ولكنك لا تضع أسرارك بين يديه مرة أخرى، هذه حكمة، إذاً التسامح هو فعل كتابة تاريخك الداخلي من جديد، أنت لا تمحو الصفحات السوداء، بل تضيف هامشاً عليها ،تكتب في الهامش “هنا تألمت، هنا انكسرت، ولكن من هذا الألم تعلمت، وهذا الشخص الذي سبب الألم، كان أداة في رحلتي، ربما دون قصد، أنا أختار الآن أن أتحرر من سلطته عليّ بذكرى الألم، أختار أن أسرد القصة ليس كضحية، بل كناجية.”

هذا التحول لا يأتي بين ليلة وضحاها، هو عملية بطيئة تشبه التئام الجرح، في البداية تذكر الألم بوضوح قاس ،ثم يخف مع الوقت، ويصبح التذكر أقل إيلاماً، وتتذكر دون ألم، مع حكمة،و تصبح ذاكرتك خادمة لحكمتك، لا سجّانة لقلبك، وعليك أن تفهم أنك حين تسامح، فأنت تقدم لنفسك أعظم هدية ،الحرية، حرية من سجن الذكريات المؤلمة، حرية من استنزاف الطاقة العاطفية في الكراهية ،حرية من تحكم الماضي في حاضرك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى