
الوطن الذي لا ينسى أبناءه
الكاتب أ. عصام بن محمود الرئيسي
مدرب بروتوكول ومراسم – مؤلف أعمال متخصصة في المراسم والتشريفات
في ظل الأحداث الجارية في منطقة الخليج وما صاحبها من توترات متسارعة، عاش عدد من الطلبة وأبناء الوطن في مملكة البحرين لحظات عصيبة وهم يسمعون صفارات الإنذار تدوي في الأرجاء، وتتردد أصداء أصوات الانفجارات في محيطهم، في مشهد لم يألفوه من قبل.
كان الخوف يتسلل إلى قلوبهم مع كل إنذار جديد، وتزداد مشاعر القلق والترقب مع تصاعد الأخبار عن تعطّل معظم مطارات الدول في المنطقة وتعذر الرحلات الجوية. وفي تلك الأوقات الحرجة، لم يكن يشغلهم سوى الاطمئنان على سلامتهم والعودة إلى أرض الوطن في أقرب فرصة ممكنة، وسط دعوات الأهالي وقلوبهم المعلقة بأبنائهم.
وأمام هذا الواقع الصعب، برزت صور مشرّفة من التعاون والتكاتف والعمل المنظم، تجسّدت في الجهود الكبيرة التي بذلتها سفارة السلطنة في مملكة البحرين، بالتنسيق مع سفارة السلطنة في المملكة العربية السعودية، من أجل نقل عدد من أبناء الوطن إلى أرضه سالمين مطمئنين.
لقد كانت تلك الجهود محل تقدير وامتنان كبيرين من الجميع، لما عكسته من إحساس عالٍ بالمسؤولية الوطنية وحرص صادق على سلامة المواطنين في أوقات الأزمات.
فمنذ اللحظات الأولى لتفاقم الظروف وتعذّر الرحلات الجوية، سارعت سفارة السلطنة في مملكة البحرين إلى متابعة أوضاع الطلبة والأسر، والتواصل معهم بشكل مستمر للاطمئنان عليهم وتهيئة السبل المناسبة لإعادتهم إلى أرض الوطن. ولم يكن الأمر يسيرًا في ظل المتغيرات المتسارعة، إلا أن روح المبادرة وحسن التنظيم كانا العنوان الأبرز لتلك المرحلة.
كما كان للتنسيق المتواصل مع سفارة السلطنة في المملكة العربية السعودية دورٌ محوري في إنجاح خطة الانتقال البري عبر الأراضي السعودية، بما يضمن السلامة والانسيابية في الحركة. وقد تم اختيار منفذ الربع الخالي ليكون نقطة العبور إلى أرض الوطن، وهو اختيار يعكس حرص القائمين على هذه العملية على تأمين مسار آمن ومستقر بعيدًا عن أي مخاطر محتملة على الرغم من بعد المسافة.
وجاءت عملية النقل عبر حافلات فاخرة ومجهزة، وفّرت سبل الراحة للطلبة والأسر الذين كانوا ضمن الرحلة، خاصة في ظل طول المسافة والظروف الاستثنائية المحيطة. لقد كان التنظيم الدقيق واضحًا في كل تفاصيل الرحلة، من آلية التجمع والانطلاق، إلى ترتيبات الاستراحة والمتابعة المستمرة حتى الوصول.
ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير لكل القائمين على هذه المبادرة، من إداريين ومنظمين ومرافقين، الذين عملوا بإخلاص وتفانٍ دون انتظار شكر أو ثناء. فقد كانوا مثالًا يُحتذى في الالتزام وتحمل المسؤولية، وسهروا على راحة المسافرين وسلامتهم على الرغم من مشقة الرحلة، متابعين أدق التفاصيل بروح الفريق الواحد. إن جهودهم الصادقة كانت حجر الأساس في إنجاح هذه المهمة الوطنية، وأثبتت أن العمل المؤسسي المنظم قادر على تجاوز أصعب التحديات.
ونخصُّ بالشكر والتقدير المشرفَ العام على الرحلة، الذي كان حاضرًا بروحه القيادية وتوجيهاته السديدة وتواضعه الجم في كل مراحلها، فتابع مجرياتها باهتمامٍ بالغ، وحرص على تذليل العقبات، بما أسهم في تحقيق أعلى درجات الانضباط والتنظيم. لقد كان لحنكته وخبرته الأثرُ البالغ في نجاح هذه المهمة، فاستحق منا كل الثناء والعرفان.
كما أن للسلطات في كل من مملكة البحرين والمملكة العربية السعودية دورًا مقدّرًا في تسهيل إجراءات الخروج والعبور عبر المنافذ البرية، حيث أبدت تعاونًا كبيرًا وسرعة في إنهاء المعاملات، بما يضمن انسيابية الحركة وسلامة الجميع. لقد عكس هذا التعاون روح الأخوة والعلاقات الراسخة بين دول المنطقة، وأظهر كيف يمكن للتنسيق المشترك أن يخفف من وطأة الأزمات ويضمن أمن وسلامة الأفراد.
ومن الجوانب المشرقة في هذه الرحلة، الانضباط العالي الذي أبداه الطلبة، وحرصهم على الالتزام التام بإرشادات السلامة والتعليمات الصادرة عن المنظمين. فقد كانوا على قدر كبير من الوعي والمسؤولية، مدركين أهمية التعاون والصبر في مثل هذه الظروف. إن هذا السلوك الحضاري يعكس حسن التربية وعمق الانتماء، ويبعث على الفخر والاعتزاز بأبناء الوطن الذين أثبتوا أنهم أهل للثقة في المواقف الصعبة. ولا يمكن إغفال صبر الجميع وتحملهم مشقة الرحلة الطويلة بصدر رحب، سواء من الطلبة أو الأسر المرافقة لهم.
لقد كانت رحلة استثنائية بكل المقاييس، لكنها تحولت بفضل حسن التنظيم وروح التعاون إلى تجربة تؤكد معاني التكاتف والتراحم. كما أبدى أولياء الأمور وأسرهم المتابعين لمسار الرحلة تفهمًا عاليًا للمستجدات، وتعاملوا مع الموقف بروح المسؤولية والثقة، ما أسهم في إنجاح الخطة بسلاسة ودون توتر أو ارتباك. إن ما تحقق من عودة آمنة ومنظمة لأبناء الوطن من مملكة البحرين عبر الأراضي السعودية إلى أرضهم، سيظل شاهدًا على يقظة المؤسسات الوطنية وحرصها الدائم على رعاية مواطنيها في الداخل والخارج.
وهي مناسبة نجدد فيها الشكر والإشادة بسفارة السلطنة في البحرين، وسفارة السلطنة في المملكة العربية السعودية، ولكل من أسهم في هذا العمل النبيل، سائلين الله أن يحفظ وطننا وأبناءه من كل مكروه، وأن يديم عليه نعمة الأمن والاستقرار.
لقد أثبتت هذه المبادرة أن المسؤولية الوطنية ليست مجرد شعار، بل ممارسة عملية تتجسد في أوقات الشدة قبل الرخاء. فالشكر موصول لكل يد امتدت بالعون، ولكل جهد بُذل بصمت وإخلاص، ولكل موقف اتسم بالحكمة والتعقل.
إنها قصة نجاح تُروى بفخر، وتجربة تؤكد أن أبناء الوطن أينما كانوا، يجدون دائمًا من يقف إلى جانبهم ويحرص على عودتهم سالمين إلى ديارهم.
وعلى الخير نلتقي، وبانتمائنا نرتقي.







