بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

‏إعادة تعريف قواعد اللعبة والرموز تُحرّك الذاكرة السياسية

الدكتور عدنان بن أحمد الأنصاري

محلّل سياسي ، ودبلوماسي ، وسفير سابق

 

‏إلى أين يتجه العالم؟
‏نحن نغادر عصر :
‏الدولة محمية بالقانون
‏وندخل عصر :
‏الدولة محمية بقدرتها على الرد.
‏فنزويلا كانت التجربة.
‏إيران قد تكون الاختبار الحقيقي.
‏أما العالم فهو يدخل مرحلة
‏ما قبل الانفجار الكبير للنظام الدولي.
‏في هذه المرحلة
‏لن يكون السؤال :
‏من أقوى ؟
‏بل :
‏من يجرؤ أكثر ؟
‏وهذا هو أخطر تحول في السياسة الدولية منذ نهاية الحرب الباردة

‏إذا كان مبدأ العزلة الأمريكي القديم هو تقليل الارتباط بالعالم القديم فإن ما نراه اليوم -بعد واقعة فنزويلا- هو تحديثٌ قاسٍ لمبدأ مونرو :
‏ليس كعبارة تاريخية بل كآلية لإعادة رسم حدود الهيبة الأميركية.
‏هذا النوع من الأفعال يخلق عالمًا أكثر قابلية للانقسام :
‏دوائر نفوذ تكتلات وعقوبات متبادلة وشرعيات متصارعة.

‏أما في التوتر مع إيران فستظل المعادلة محكومة بمنطق :
‏الردع مقابل الردع لكن سابقة فنزويلا قد تدفع الطرفين إلى رفع السقف الرمزي للأفعال – والرمز هنا أخطر من الفعل ذاته لأنه يعيد تعريف ما هو ممكن سياسيًا وعسكريًا.

‏مسار الردع بالسوابق
‏إذا لم تواجه واشنطن كلفة ملموسة؛ فسيغري ذلك بتكرار نموذج العملية الخاطفة في ساحات أخرى حيث تعتقد أن ميزان الردع يسمح.
‏لكن هذا يرفع منسوب الفوضى لأن الخصوم سيبحثون عن رد غير متماثل بدل المواجهة المباشرة.

‏2. مسار تسييس القانون الدولي..
‏الجدل الذي أثارته العملية -هل هي إنفاذ قانون أم استخدام قوة ؟- سيجعل القانون الدولي نفسه ساحة صراع سردي حيث كل طرف يبني شرعية تناسبه.

‏3. مسار التكتلات والدوائر المغلقة
‏أمريكا ستشدّد مفهوم المجالات وخصومها سيردّون بتوسيع شبكات بديلة في التمويل والطاقة والسلاح والتقنية النتيجة عالم أقل انفتاحًا وأكثر كتلية

‏(من مونرو إلى فنزويلا…) كيف تعيد الولايات المتحدة رسم حدود العالم بالقوة الرمزية ؟.

‏أولًا : التوصيف الاستراتيجي للحدث..
‏حادثة اعتقال رئيس دولة ذات سيادة (فنزويلا) من داخل إقليمه ونقله إلى الولايات المتحدة ليست مجرد عملية أمنية أو قضائية بل هي حدث تأسيسي جديد في النظام الدولي.
‏هذه ليست عملية بل رسالة.
‏الرسالة تقول :
‏الولايات المتحدة لم تعد تكتفي بإدارة النظام الدولي .. بل عادت لتحديد من يملك الحق في السيادة داخله.

‏عندما يستحضر رئيس أمريكي مبدأ مونرو بعد هذه العملية فهو لا يبرر .. بل يعلن عقيدة جديدة بلغة قديمة.

‏ثانيًا : ماذا يعني استدعاء مونرو اليوم؟
‏مبدأ مونرو لم يكن يومًا مجرد تحذير لأوروبا.
‏بل كان دائمًا :
‏إعلان احتكار المجال الجيوسياسي.

‏في القرن التاسع عشر:
‏أوروبا خارج نصف الكرة الغربي.

‏في القرن الحادي والعشرين:
‏كل قوة لا تخضع للهيمنة الأمريكية داخل المجال القريب = تهديد يجب إزالته.
‏فنزويلا ليست الهدف.
‏الهدف هو كسر مفهوم الدولة المحمية بالسيادة.

‏ثالثًا : تغيير قواعد اللعبة لا اللعب داخلها..

‏القوى العظمى لا تنتصر بالحروب بل بـ إعادة تعريف ما هو مسموح.
‏ما فعلته واشنطن هو :
‏تحويل اختطاف رئيس دولة من أمر محظور إلى خيار مطروح.
‏السوابق أخطر من الصواريخ.

‏رابعًا : تدمير الرموز يولّد التطرف..

‏في الوعي العالمي رئيس الدولة ليس مجرد شخص.
‏إنه رمز الكيان.
‏حين تُسحب هذه الرمزية من عاصمة دولة
‏فإنك لا تسقط رجلًا بل تُذل أمة.
‏وهذا يولّد :
‏•راديكالية
‏•انعدام ثقة
‏•تحالفات مضادة

‏خامسًا : العالم يدخل مرحلة الدوائر الصلبة.
‏ما حدث سيُقرأ في موسكو وبكين وطهران وبيونغ يانغ كالتالي :
‏إذا استطاعوا أخذ رئيس دولة في فنزويلا…
‏فلا أحد محمي.
‏النتيجة؟
‏•تسريع التحالفات العسكرية
‏•عسكرة الاقتصاد
‏•نهاية عصر القواعد المشتركة

‏سادسًا : الإسقاط المباشر على إيران..

‏إيران ليست فنزويلا.
‏لكن الرسالة واحدة :
‏من يخرج عن الخط الأمريكي قد يُزال شخصيًا لا سياسيًا.
‏وهذا سيقود إلى :
‏•تشديد إيران لمنظومة الرد غير المباشر
‏• زيادة عمليات الظل
‏• تصعيد في الخليج العراق سوريا البحر الأحمر؛ لكن بدون إعلان حرب.
‏هذا هو عصر الضرب دون التوقيع.

‏سابعًا : السيناريوهات الثلاثة القادمة..

‏السيناريو 1 – عصر العمليات الخاصة..

‏الولايات المتحدة ستستخدم :
‏• اختطاف
‏• اغتيال قانوني
‏• اعتقالات عبر الحدود
‏بدل الغزو
‏أرخص سياسيًا وأخطر استراتيجيًا.

‏السيناريو 2 – الردع غير المتكافئ..

‏خصوم أمريكا لن يهاجموها مباشرة.
‏بل عبر :
‏• وكلاء
‏• فوضى اقتصادية
‏• ضربات رمزية

‏السيناريو 3 – تفكك الشرعية الدولية..

‏القانون الدولي سيتحول إلى :
‏أداة بيد الأقوى لا مرجعية فوق الجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى