
حين تتغير الخرائط .. ويبقى الطريق مغلقاً
خالـصـة الـصـلـتـية
في كل مرة نعيد فيها رسم خرائطنا الادارية، نعتقد ان الطريق سيفتح تلقائيا، وان التقدم سيأتي بمجرد ان تتغير العناوين وتتبدل الهياكل. نبدل المسميات، ونفصل الاختصاصات، ونعيد توزيع الصلاحيات، ثم نقف منتظرين نتيجة مختلفة. غير ان الطريق، في كثير من الاحيان، يبقى مغلقا، لا لعطب في الخريطة، بل لان من يقود المسير لم يغير طريقته في القيادة.
فالخرائط لا تمشي، والهياكل لا تفكر، والتنظيم مهما بلغ من الدقة لا يصنع قرارا، ولا يتحمل مسؤولية، ولا يملك شجاعة التقدم خطوة الى الامام. القيادة وحدها تفعل ذلك. وحين تبقى القيادة اسيرة ذات المنطق القديم، يصبح تغيير الخرائط فعلا شكليا، لا حركة تحول حقيقية.
المشكلة ليست في اننا نعيد الهيكلة، بل في اننا نفعل ذلك هربا من السؤال الاصعب، سؤال القيادة. كيف تقرر، وكيف تتحمل، وكيف توازن بين الحذر والجرأة. فنحن نجيد تغيير الشكل، لكننا نتردد حين يطلب منا تغيير نمط القيادة، او الخروج من منطقة الامان، او تحمل كلفة قرار واضح.
حين تخاف القيادة من القرار، يصبح التأجيل سياسة غير معلنة. تكتب المذكرات لا لتطوير الفكرة، بل لابعاد المسؤولية. تشكل اللجان لا لسرعة الحسم، بل لتوزيع القلق. وفي هذه المنطقة الرمادية، لا يفشل العمل صراحة، لكنه لا ينجح ايضا. يتجمد الزمن، وتفقد الفرص معناها، ويبقى الطريق مغلقا، رغم ان الخريطة جديدة.
وحين تتحول المساءلة في نظر القيادة الى تهديد لا اداة تصحيح، يتشكل اداء رمادي، حذر، محدود الطموح. اداء لا يغامر، ولا يبتكر، ولا يتجاوز السقف. اداء يفضل السلامة على الاثر، ويقيس النجاح بعدم الوقوع في الخطأ، لا بصناعة الفرق. وفي ظل هذا المناخ، تصبح الهياكل عبئا اضافيا، لا اداة تمكين.
اما حين تختزل القيادة دورها في حراسة الاجراء، لا في تحقيق الغاية، فيضيع الهدف. تصبح الدورة المستندية اهم من النتيجة، ويختزل الانجاز في اكتمال التوقيع، لا في ما تغير على الارض. ننجز المعاملة، لكن لا نحل المشكلة. نغلق الملف، لكن لا نفتح الطريق. وهكذا، تتكدس الخرائط، ويبقى الواقع على حاله.
الطريق لا يفتح بالهياكل وحدها، بل بقيادة مختلفة تديرها. قيادة ترى في الوقت موردا لا يجوز اهداره، وفي القرار مسؤولية لا مخاطرة، وفي الخطأ فرصة للتعلم لا وصمة يجب الهروب منها. قيادة تدرك ان المساءلة حماية للمؤسسة، لا تهديدا لها، وان الاثر هو معيار النجاح الحقيقي.
ما نحتاجه اليوم ليس مزيدا من اعادة الرسم، بل شجاعة قيادية في تغيير طريقة النظر. شجاعة في الانتقال من عقلية هل هذا مسموح، الى عقلية هل هذا صحيح ويصنع فرقا. من ادارة الخوف الى ادارة الثقة، ومن قيادة تحفظ المواقع، الى قيادة تفتح الطرق.
حين تتغير القيادة، تتغير العقول، وتصبح الخرائط ادوات حقيقية، ويفتح الطريق ولو كان صعبا. اما حين تبقى القيادة اسيرة الحذر والتردد، فسنظل نغير الخرائط مرة بعد اخرى، ونتساءل لماذا لا نصل.
فالطريق لا يغلق بسبب نقص التنظيم، بل بسبب غياب القيادة الشجاعة. والاصلاح لا يتعطل في الهياكل، بل عند من يفترض به ان يقودها.
وحين نفهم ذلك، فقط، لن نحتاج الى تغيير الخرائط كثيرا، لان الطريق سيكون مفتوحا اخيرا.









