بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

عاش شامخًا ورحل شامخًا.. السلطان قابوس بين القيادة والمراسم

الكاتب أ. عصام بن محمود الرئيسي
مدرب بروتوكول ومراسم – مؤلف أعمال متخصصة في المراسم والتشريفات

 

 

في يوم الجمعة العاشر من يناير 2020م، رحل عن عالمنا سلطان عُمان المعظم، صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور – طيب الله ثراه – رحل شامخًا كما عاش شامخًا في قيادة وطنه، شامخًا في احترامه للتقاليد والمراسم، شامخًا في أثره الإنساني على كل من عرفه أو تعامل معه. لقد كان السلطان قابوس طيب الله ثراه نموذجًا فريدًا للقيادة التي تمزج بين الحكمة والرؤية، وبين الصرامة والوداعة، وبين المراسم الرسمية والبساطة الإنسانية.

وقد تجلّت عناية السلطان قابوس – طيب الله ثراه – بالمراسم والرمزية الوطنية في آخر استعراض عسكري رعاه بنفسه، كان ذلك في مناسبة اليوم الوطني الـ49 لسلطنة عُمان، الذي أقيم في قاعدة سعيد بن سلطان البحرية، حين أصرّ جلالته على الحضور والوقوف شامخًا، رغم ما كان يعانيه من وهنٍ صحيّ وجهدٍ ظاهر. لم يكن ذلك المشهد مجرّد حضورٍ بروتوكولي، بل رسالة قيادةٍ صامتة، تؤكد أن احترام الدولة يبدأ من احترام رموزها ومراسمها، وأن القائد، مهما أثقله المرض، يظل وفيًّا لواجبه حتى آخر لحظة. وفي مناسبات أخرى، وأثناء استقباله لضيوف سلطنة عمان في أيامه الأخيرة، ظلّ محافظًا على أدق تفاصيل المراسم، بابتسامته الهادئة، ووقاره المعهود، وكأنما كان يودّع العالم بذات الانضباط والهيبة التي قاد بها الوطن عقودًا.

لقد كان ثابتًا في حضوره، شامخًا في وقفته، ومعلّمًا للأجيال بأن المراسم ليست شكلاً، بل أخلاق دولة، ومسؤولية قائد، وذاكرة وطن. السلطان الراحل لم يكن مجرد حاكم ينظم الدولة من خلال القرارات والخطط الاستراتيجية، بل كان رمزًا للمراسم التي تعكس الهيبة والاحترام، رمزًا للانضباط والرصانة، رمزًا للثقافة العمانية التي تعتز بالهوية الوطنية. فمهما كانت الدولة في مشاغلها الإدارية والسياسية، فإن مراسم استقبال الضيوف، والمناسبات الوطنية، والاحتفالات الرسمية كانت بالنسبة له أداة لتعزيز روح الانتماء والفخر الوطني.

ولم يقتصر اهتمامه بالمراسم على الضيوف فحسب، بل شمل رجال الدولة أنفسهم أثناء استقباله لهم . كان يعرف كيف يوازن بين البروتوكول والإنسانية. ففي كل مناسبة رسمية، كان يلتزم بروح البروتوكول من حيث الأسبقيات، وحسن الاستقبال، والتعامل معهم، وفي الوقت ذاته يحرص على أن يشعر الجميع بأنهم جزء من هذا الوطن الذي يحتضنهم. هذا المزج بين البروتوكول والسمت العماني كان سرًا من أسرار نجاح حكمه واستمرار احترامه حتى بعد رحيله.

كما عرف السلطان قابوس بمبادراته التي عززت مكانة عُمان إقليميًا ودوليًا، وكان دائمًا يحرص على أن تتم هذه المبادرات في إطار من المراسم اللائقة، التي تعكس احترامه للشركاء والزوار. فحين كان يطلق أي مشروع أو يدشن أي برنامج وطني، كان يحرص على أن تتضمن المناسبة إشارات واضحة للهوية العمانية، سواء من خلال الزي الوطني، أو الموسيقى التقليدية، أو الخطابات الرسمية، أو حتى في ترتيب الأسبقيات. لقد كان يعلم أن المراسم ليست مجرد شكل، بل هي رسالة ثقافية تعكس حضارة الأمة وقيمها.

ولا يمكن أن ننسى تواضعه الذي كان ينعكس حتى في أرفع المناسبات. فقد اعتاد أن يجلس على نفس مستوى الآخرين في بعض اللقاءات، ويتحدث معهم وكأنه واحد منهم، وهذا التواضع كان له وقع كبير في نفوس كل من يلتقيه. كان يحفظ التوازن بين الجلال الشخصي وسمات القيادة القوية، بين الشموخ الرسمي والروح الإنسانية، وبين المراسم الصارمة والبساطة المحببة.

رحيل السلطان قابوس كان حدثًا عالميًا، إذ خسر العالم رمزًا للقادة الذين يقدّرون البروتوكول والمراسم، ويعرفون كيف يدمجونها في خدمة الإنسان والوطن. عُمان فقدت قائداً شامخًا، عاش حياته كلها ملتزمًا بالقيم العمانية، محافظًا على هويتها، محافظًا على شموخها في كل مناسبة رسمية.

ومع رحيل السلطان قابوس، لم تتوقف عجلة النهضة العمانية، فقد استلم دفة القيادة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق حفظه الله، حاملًا شعلة الاستمرار والتطوير، ومتمسكًا بقيم ومبادئ القيادة الحكيمة. تحت قيادته، تشهد عمان مسيرة متجددة من البناء والتنمية، محافظة على إرث الماضي، ومستجيبة لتطلعات المستقبل.

السلطان هيثم حفظه الله ورعاه لم ينسَ المراسم الرسمية والرمزية الوطنية، بل عززها وجعلها أداة للتأكيد على الهوية العمانية، ولتأكيد احترامه للبروتوكول الذي رسخه السلطان قابوس رحمه الله، وفي الوقت نفسه، فتح أبواباً جديدة للابتكار والإبداع في كل مجالات الحياة الوطنية.

إن هذه المسيرة المتجددة تؤكد أن إرث الشموخ والقيادة الحكيمة في عمان مستمر، وأن عمان ستظل شامخة في القيادة والمراسم، بين الماضي المجيد والحاضر الواعد والمستقبل المشرق.

وعلى الخير نلتقي وبكم نرتقي ….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى