بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

كيف يصمد أهل غزة ؟!

رحمة بنت مبارك السلمانية

 

وقفت حائرة بين سؤالين هما: كيف يصمد أهل غزة؟ وكيف يموت أهل غزة؟، فالغزاويون اليوم لا يصمدون لسبب واحد ولا يموتون بسببٍ واحدٍ أيضاً، لأن المصيبة والموت قد تواطآ بكل أشكالهما، وتكاثفا حتى صارا حياةً يومية، وكلا السؤالين ليسا سؤالين بلاغييّن، بل صرخة حائرة أمام تعدد الوجوه التي يطلّ بها الموت هناك، فهل يموت أهل غزة من الحرب أم من الجوع أم من البرد أم من القهر؟

الحقيقة المؤلمة أن كل تلك الأسباب تجتمع وتتداخل وتتحد حتى يصعب فصل واحدة عن الأخرى، وكأن غزة تُقتل قتلًا مركّبًا بطيئًا ومقصودًا كل يوم، في غزة لا يأتي الموت فجأة كما في الحكايات أو الأفلام والمسلسلات، ولا يحمل وجهًا واحدًا يمكن التعرّف عليه، الموت هناك واقع يعاش ويتسلل ببطء يطرق الأبواب كل يوم بل كل دقيقة؛ ليختطف الجرحى الجائعين المرتجفين.

يموت أهل غزة من الحرب من القصف الذي لا يفرّق بين بيتٍ ومسجد، أو بين مستشفى ومدرسة، بين طفلٍ نائم وأمٍ أو أنقاضٍ تحضنه، الحرب هنا ليست مواجهة عسكرية بين طرفين متكافئين، بل آلة عمياء صماء تُسحق تحتها حياة الأبرياء الشجعان العُزّل، الحرب ليست مجرد قصف وانفجارات ولكنها حالة دائمة من الترقب، فيموت الإنسان حين يفقد القدرة على الاطمئنان، وحين يتعلّم الأطفال تمييز أنواع القنابل قبل أن يتعلّموا القراءة.

يموت الناس في غزة آلاف المرات قبل أن يموتوا فعليًا، لأنهم يعيشون في انتظار الموت، فالقنابل لا تقتل فقط من تصيبهم مباشرة بل تقتل الإحساس بالأمان، تقتل النوم وفكرة الاستيقاظ في الغد، يموت الناس وهم أحياء حين يسمعون هدير الطائرات ودويِّ القنابل قبل أن يروا الموت بأعينهم، حين يودّعون أبناءهم كل مساء وكأنه الوداع الأخير.

لكن الحرب وحدها لا تفسّر كل هذا الموت، فهناك الجوع ذلك القاتل الصامت الذي لا يدوّي كالقنابل لكنه يفتك ببطء وصمت، فالجوع في غزة لا يعني مجرد الشعور بالخواء في المعدة، بل يعني انعدام القدرة على توفير الخبز والحليب والدواء لأطفال يبكون لا لأنهم يريدون لعبة، بل لأن أجسادهم الصغيرة تطلب حقها الطبيعي في الغذاء، أهل غزة يموتون من الجوع لا لأن الأرض عقيمة، بل لأن الحصار عقيم الضمير، والجوع في غزة ليس نقصًا في الطعام فقط، بل إذلالٌ يومي أن تقف أمّ عاجزة أمام بكاء طفلها لا لأنها لا تحبه، بل لأنها لا تملك شيئًا تقدّمه له، ولا تجد ما تسدّ به رمقه سوى الصبر والدعاء.

الجوع في غزة لا يُرغم الناس أن يختصروا الأيام أو الأسابيع في وجبة واحدة وربما بدونها فحسب، الجوع هنا يعلّم الصغار أن يكبرون مبكرًا، ويعلّم الكبار معنى الانكسار الصامت؛ لأن الجوع لا يُرى بسهولة في الصور لكنه محفور في العيون، وفي الوجوه الشاحبة وفي الأجساد النحيلة التي أنهكها انتظار كسرة خبز، الجوع في غزة ليس كارثة طبيعية بل سياسة ممنهجة، وسلاح يُستخدم لسحق الإرادة قبل زهق الأرواح.

أما البرد في غزة فله معنى آخر فهو ليس مجرد فصلًا من فصول السنة، بل فصلاً آخر من العذاب ومأساة إضافية حين يشتد الصقيع وتقف عاجزاً حتى عن إشعال نار، لتكتشف حينها أن الدفء ليس ترفًا بل حقًا أساسيًا ولكنه صعب المنال، يأتي البرد في غزة ليضيف طبقة أخرى من العذاب والأوجاع وسط البيوت المهدمة والخيام المهترئة والشتاء القاسي الذي لا يرحم الأجساد الهزيلة التي فقدت حرارتها الطبيعية، البرد هنا ليس مجرد طقس بل امتحان قاسٍ للبقاء، أطفال يرتجفون وشيوخ لا تقوى أجسادهم على مقاومة الصقيع، مرضى تزداد آلامهم لأن الدفء مفقود، هُنا يُصبح البرد قاتلًا حقيقيًا لا يقل فتكًا عن الرصاص والقنابل.

لكن الموت الأثقل والأعمق والأكثر فتكًا هو الموت بالقهر حين ترى العالم يزن دمك بلغة المصالح، ويقيس وجعك بمكيال السياسة، القهر حين تصبح حياتك مادةً للجدل، ودماؤك رقمًا في خبر عاجل، هذا القهر لا يترك أثرًا خارجيًا لكنه يحفر داخلك شرخًا عميقًا، لأن الموت قهراً موتٌ أشد قسوة، القهر الذي يخنق أنفاسك حين ترى العالم كله يشاهد معاناتك ولا يُحرك ساكناً، حين تصرخ غزة فلا يسمعها أحد ولا تُذكر معاناتها سوى في نشرات الأخبار، القهر حين يُقتل الأبناء ولا يُسمّى القاتل، وحين تُسوّى البيوت بالأرض ويُطلب من الضحية ضبط النفس، يموت الناس قهرًا حين يُسلبون حقهم في الحياة وفي أن يُنظر إليهم كبشر.

في غزة لا يمكن فصل أسباب الموت عن ببعضها، فالقصف يولّد الجوع والجوع يضعف الأجساد أمام المرض والبرد، والقهر يكمل الدائرة إنها منظومة موت كاملة تُدار بوحشية، وتُبرَّر بصمتٍ دولي مخزٍ ومع ذلك ما تزال غزة حيّة، ليس لأنها لا تموت بل لأنها ترفض أن تموت بصمت.

أهل غزة يموتون لأنهم تُركوا وحدهم في مواجهة كل تلك المحن، ولأن الموت تفرّغ لهم وتنوّعت أدواته، ومع ذلك المفارقة المؤلمة أن غزة ما زالت حيّة بأمهات يخبزن الصبر بدل الخبز، وبآباء يقفون شامخين فوق الألم، وبأطفال يبتسمون رغم كل شيء كأنهم يتحدّون العالم بأسره، والسؤال الحقيقي الذي يجب أن نوجهه لأنفسنا هو: إلى متى سيبقى الضمير الإنساني شاهدًا صامتًا يكتفي بالمشاهدة، بينما تُسحق إنسانية كاملة تحت ركام الصمت؟

لماذا تُترك غزة لتُقتل بكل هذه الطرق؟ ومع كل شهيد وكل طفل جائع وكل أمٍ مكلومة، يبقى السؤال معلقًا في ضمير الإنسانية هل هذا الموت قدرٌ محتوم، أم جريمة مستمرة يشترك فيها الفاعل والصامت والمتفرّج؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى